الشيخ محمد رشيد رضا
512
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( أي قريش ) فاني أعرف غزارة مائه كثرته بحيث لا ينزح فننزله ثم نغوّر ما عداه من القلب ( جمع قليب كقتيل وهو ما لم يبن من الآبار ) ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء فنشرب ولا يشربون . فقال رسول اللّه ( ص ) « لقد أشرت بالرأي » هذا وان كثيرا من المؤلفين من المتأخرين يبالغون في تعظيم الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم وتعظيم من دونهم بالأقوال كالشعراء من غير التزام ما جاؤوا به عن اللّه تعالى وما ثبت في سيرتهم والقاضي عياض - أحسن اللّه جزاءه - كان من الميالين إلى المبالغة في التعظيم ، وقياسه جميع الأنبياء على خاتمهم الذي أكمل اللّه به دينهم وتمم به مكارم الأخلاق وشهد له بالخلق العظيم لا يصح ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) وانما يظهر الحق في مسألة نسيان الأنبياء والرسل ( ص ) بما ذكرنا من الآيات القرآنية والاخبار النبوية وما في معناها كقوله تعالى في أواخر سورة الأعراف ( 7 : 200 وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 201 إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ 202 وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ) فظاهر السياق ان الخطاب هنا للنبي ( ص ) وان كان يأتي فيه الوجوه التي ذكرناها في أول تفسير الآية التي نحن بصدد تفسيرها . وروى ابن جرير عن أبي زيد قال لما نزلت ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) قال ( ص ) « يا رب كيف والغضب » فنزل ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ) * الآية ، وكحديث عائشة وابن مسعود عند مسلم « ما منكم أحد الا وقد وكل اللّه به قرينه من الجن - قالوا وإياك يا رسول اللّه ؟ قال - وإياي ، الا ان اللّه أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني الا بخير » فمن تأمل هذه النصوص جزم بأن سلطان الشيطان على الانسان عبارة عن نمكنه من اغوائه واضلاله ، وان مجرد الوسوسة ليس سلطانا ، ولا سيما أدناها ومبداها المعبر عنه في آيتي الأعراف بالنزغ والمس « 1 » على أن ذلك السلطان مجازي لا حقيقي ، لأنه لا يقدر على اكراه انسان على شيء ولكن سميت طاعة وسوسته سلطانا تشبيها بطاعة الملوك والقواد الذين يجبرون أتباعهم على ما يأمرونهم به فيأتونه
--> ( 1 ) فسر النزغ بين الناس بالاعراء وأصله في اللغة الوخز وهو الطعن غير النافذ النخس وهو غمز الدابة بعود ونحوه لتسرع . والمس اللمس