الشيخ محمد رشيد رضا
508
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهل الخطاب في هذه الآية للرسول والمراد غيره كما قيل في آيات كثيرة غيرها على حد المثل : إياك أعني واسمعي يا جارة ! وهو كثير في كلام العرب ؟ أم للرسول بالذات ولغيره بالتبع كما هو الشأن في غير الأحكام الخاصة به ( ص ) أم لكل من بلغه كما قيل في آيات أخرى ؟ أقول ظاهر ما نقلناه عن السدي ومقاتل اختيار الأول منها وقد استشكل إنساء الشيطان له ( ص ) على القول بأن الخطاب في الآية له . وقد ثبت في نص القرآن أن الشيطان ليس له سلطان على عباد اللّه المخلصين ، وخاتم النبيين والمرسلين ( ص ) أخلصهم وأفضلهم وأكملهم ، بل ورد في سورة النحل ( 16 : 99 إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ 100 إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) ولكن إنساء الشيطان بعض الأمور للانسان ، ليس من قبيل التصرف والسلطان ، وإلا لم يقع إلا لأوليائه المشركين . وقد قال تعالى حكاية عن فتى موسى حين نسي الحوت ( وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ) وإنما كان فتاه - أي خادمه لا عبده - يوشع بن نون كما في البخاري والمشهور أنه نبي . وروي عن مجاهد في تفسير ( فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) الآية - ان يوسف ( عليه السّلام ) أنساه الشيطان ذكر ربه وأمره بذكر الملك وابتغاء الفرج من عنده ( فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) عقوبة له . بل ذكر أهل التفسير المأثور حديثا مرفوعا في ذلك رووه مرسلا وموصولا وهو « لو لم يقل يوسف عليه السّلام الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير اللّه تعالى » هذه رواية ابن عباس رفعها أخرجها عنه ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن جرير والطبراني وابن مردويه . فثبت بهذا أن نسيان الشيء الحسن الذي يسند إلى الشيطان لكونه ضارا أو مفوتا لبعض المنافع أو لكونه حصل بوسوسته ولو باشغالها القلب ببعض المباحات لا يصح أن يعد من سلطان الشيطان على الناسي واستحواذه عليه بالاغواء والاضلال الذي نفاه اللّه عن عباده المخلصين ، ولهذا قال بعض كبار مفسري السلف بأن الخطاب في الآية للنبي ( ص ) مع العلم بأن اللّه تعالى فضله على سائر عباده المخلصين المعصومين باعانته على شيطانه حتى أسلم فلا يأمر الا بخير كما ورد في الحديث الصحيح . وقد ينسى الانسان خيرا باشتغال فكره بخير