الشيخ محمد رشيد رضا

498

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مادة حية خيرا منها ، ثم صارت في طور الضعف كالغذاء الجيد في الجسم العليل لا يزيده الا ضعفا وانحلالا ، إذ صاروا يفهمون منها أن الكسل والخمول والتواكل والفقر والذل من مقاصد الدين ، فصاروا لا يستفيدون منها الا ضعفا وعجزا ، ولا يزدادون مع ذلك الا حرصا ودناءة وبخلا ، إذا تدبرت هذا المثال فاجعله مرآة لما ورد في الأحاديث النبوية ، من أنباء مستقبل الأمة الاسلامية ، كسعة ملكها في مشارق الأرض ومغاربها ، ( أي بالنسبة إلى الحجاز ) ثم تداعي الأمم عليها كما تتداعى الاكلة إلى قصعتها ، ومن تفرقها شيعا ووقوع بأسها بينها ، وغير ذلك من أنباء الفتن ، وما يكون قبل قيام الساعة من الاحداث والبدع ، واعلم أن ما أصاب الأمة الاسلامية بسوء فهمها لهذه الأحاديث بعد فشو الجهل فيها هو نحو مما أصابها بسوء فهمها لتلك النصوص والحكم التي أشرنا إليها في المثال : وطن جماهير المسلمين أنفسهم منذ قرون على الرضاء بجميع الفتن والشرور التي أنبأت الأحاديث بوقوعها في المستقبل ، فقعدت هممهم عن القيام بما أمر اللّه تعالى به من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ودفع المكروه والدفاع عن الحق بقدر الاستطاعة ، معتذرين لأنفسهم بأن ذلك قدر ، قد ورد بوقوعه الخبر ، فلا مهرب منه ولا مفر ، كما يعتذرون لأنفسهم عن ترك مجاراة الأمم العزيزة في أسباب العزة وطرق الثروة ، بالنصوص والحكم التي وردت في التنفير عن الطمع والجشع وتهوين أمر شهوات الدنيا ، والترغيب في معالي الأمور وإيثار الحياة الباقية - ولا حجة لهم في شيء من ذلك بل للّه الحجة البالغة عليهم ، وقد بسطنا ذلك مرارا في التفسير وفي غير التفسير وتراهم مع هذا قد تركوا السعي والعمل لما وعدوا به في الآيات والأحاديث من الخبر والسيادة كما كان يسعى ويعمل له سلفهم ، ومن تلك الوعود ما لم يأت تأويله ولا بد من إتيانه ، لان وعد اللّه مفعول لا بد منه ، كما تركوا العمل بالنصوص الآمرة بالبذل في سبيل اللّه ، مع ادعائهم الاخذ بما ورد في إيثار الآخرة على الدنيا أو احتجاجهم به ، وحقيقة الامر أنهم رزئوا بالجهل والخمول والكسل وسقوط الهمة ، فهم يجهلهم يتعبون ويشقون في اتباع أهوائهم والسعي لحظوظهم الشخصية الدنيئة ، ولا يفكرون في