الشيخ محمد رشيد رضا

48

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

5 - أمر الايمان يبنى على العرف والنية أمر الايمان مبني على العرف العام بين الناس بالاجماع لا على مدلولات اللغة واصطلاحات الشرع فمن حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لا يحنث وان سماه اللّه لحما طريا الا ان نواه أو كان يدخل في عموم اللحم في عرف قومه ، ومن حلف على شيء ونوى معنى مجازيا غير الظاهر فالعبرة بنيته لا بلفظه . واما من يحلفه غيره يمينا على شيء فالعبرة بنية المحلف لا الحالف ، والا لم يكن للإيمان في التقاضي فائدة روى احمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه ( ص ) « يمينك على ما يصدقك به صاحبك » وفي لفظ لمسلم وابن ماجة « اليمين على نية المستحلف » وقد خصه بعضهم بكون المحلف هو الحاكم ، ولفظ « صاحبك » في الحديث يرد هذا التخصيص ، وقال بعضهم الحاكم أو الغريم ، وقد حكى القاضي عياض الاجماع على أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه له نيته ويقبل قوله . واما إذا كان لغيره حق عليه فلا خلاف انه يحكم عليه بظاهر يمينه ، سواء حلف متبرعا أو باستحلاف غيره له . وظاهر هذا انه لا فرق بين الحقوق الشخصية الخاصة والحقوق العامة المتعلقة بمصلحة الأمة والملة ، وان المستحلف الظالم الذي لا حق له إذا أكره امرءا على الحلف بأنه ينصره ويعينه على ظلمه وورّى الحالف ونوى غير الظاهر فله العمل بنيته . فاسم اللّه لا يجعل وسيلة للظلم والاجرام ، ولا مانعا من البر والتقوى والإصلاح . واليمين الغموس والصابرة التي يهضم بها الحق أو يقصد بها الخيانة والغش ، لا يكفرها عتق ولا صدقة ولا صيام ، بل لا بد من التوبة وأداء الحقوق والاستقامة . قال تعالى ( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) وقال النبي ( ص ) « من حلف على يمين صبر - وفي رواية زيادة : وهو فيها فاجر - يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللّه وهو عليه غضبان » رواه الشيخان وغيرهما ، قال شراح الحديث : أو مال ذمي ونحوه . وهذا مجمع عليه بين المسلمين . وفي الاطلاق حديث أبي هريرة مرفوعا عند احمد وأبي الشيخ « خمس ليس لهن كفارة : الشرك باللّه وقتل النفس بغير حق وبهت مؤمن ويمين صابرة يقتطع بها ما لا بغير حق »