الشيخ محمد رشيد رضا
481
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الشرعي . و « في » للتعليل أو الشأن كحديث « دخلت امرأة النار في هرة » « 1 » وقال في بيان هذا : ثم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار ومن أجله ، كقولك : فيم دعوتني ؟ فتقول : في أمر كذا . وفسر الاجل المسمى بما ضربه اللّه لبعث الموتى وجزائهم ، والمرجع بالرجوع إلى موقف الحساب . وفيه تكلف لا يدفعه إلا نص في نزول الآية في الكفار وحدهم وكون الجرح بمعنى فعل الآثام ، وكلاهما لا يثبت وفي ذكر الاجل المسمى في الآية والرجوع إلى اللّه تعالى لأجل الحساب والجزاء تأييد لما تقدم من حكمة تأخير ما كان مشركو مكة يستعجلون به من وعيد اللّه لهم ووعده لرسوله بالنصر عليهم وبيان عذاب الآخرة وراء ما أنذروا من عذاب الدنيا فمن لم يدركه الأول لموته قبل وقوعه لم يفلت من الآخر * * * ثم إنه تعالى بين ما في هذه الآية من الاجمال في أمر الموت والرجوع إلى اللّه الحساب والجزاء مبتدئا ذلك بذكر قهره لعباده واستعلائه عليهم وارساله الحفظة لاحصاء أعمالهم وكتابتها عليهم فقال ( وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً بينا معنى الجملة الأولى بنصها في تفسير الآية الثامنة عشرة من هذه السورة ( ص 336 ) وكلمة فوق تستعمل - كما قال الراغب - في المكان والزمان والجسم والعدد والمنزلة ، وذلك أضرب ضرب لها الراغب الأمثلة ، ففوق العلوية يقابله تحت ، وفوق الصعود يقابله في الحدور الأسفل ، وفوق العدد يقابله القليل أو الأقل منه ، وفوق الحجم يقابله الصغير أو الأصغر منه ، وفوق المنزلة يكون بمعنى الفضيلة كقوله تعالى ( وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ * وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) وبمعنى القهر والغلبة كقوله تعالى حكاية عن فرعون ( وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ) وبه فسروا هذه الآية وما قبلها وأما ارسال الحفظة على الناس فمعناه ارسالهم مراقبين عليهم من حيث لا يشعرون ( كمراقبة رجال البوليس السري في حكومات عصرنا ) محصين لأعمالهم
--> ( 1 ) تتمته ( ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت ) رواه أحمد والشيخان وابن ماجة عن أبي هريرة