الشيخ محمد رشيد رضا
479
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بقبض الأنفس التي تحيا بها الناس كما قال تعالى في سورة الزمر ( 39 : 39 اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) فهذه الآية نص في كون التوفي أعم من الموت وانه ليس مرادفا له ، فقد صرحت بأن الأنفس التي تتوفى في منامها غير ميتة . فقوله تعالى « يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ » معناه يتوفى أنفسكم في حالة نومكم بالليل ، ومثله النوم في النهار وانما اقتصر على ذكر الليل لان الواجب في الفطرة والغالب في العادة أن يكون النوم فيه ، فلا يعتد بما تقع منه في النهار ، أطلق التوفي في المنام على إزالة الاحساس ، والمنع من تصرف الأنفس في الأبدان ، على ما هو المعروف عند العلماء ، ولكن بعض فلاسفة الغرب المتأخرين يرى أن للانسان نفسين تفارقه إحداهما عند النوم وتفارقه كلتاهما بالموت ، فإذا صح هذا يكون التوفي حقيقة في المنام وفي الموت لان الأول يحصل بقبض غير تام لاحد النفسين والثاني بقبض تام لكلتيهما ، وهو يوافق ظاهر آية الزمر . ثم قال عز وجل وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ الجرح يطلق بمعنى العمل والكسب بالجوارح وهي الأعضاء العاملة وبمعنى التأثير الدامي من السلاح وما في معناه كالبرائن والأظفار والأنياب من سباع الطير والوحش ، قيل إن هذا الأخير هو الحقيقة والأول مجاز ، وان عوامل الانسان ما سميت جوارح الا تشبيها لها بجوارح السباع ، وان هذه ما سميت جوارح الا لأنها تجرح ما تصيده وما تفترسه ، وظاهر عبارة لسان العرب ان الجرح حقيقة في الكسب وان جوارح الصيد سميت بذلك لكسبها لنفسها أو لمعلمها الذي يصيد بها وان الخيل والانعام المنتجة تسمى جوارح أيضا لان نتاجها كسبها ، فالجرح كالكسب يطلق على الخير والشر منه ، نقل ذلك اللسان عن الأزهري ، وظاهر كلام الزمخشري انه فعل الشر وبذلك فسر الآية في الكشاف كما سيأتي ، وقد استعمل الاجتراح بمعنى فعل الشر خاصة في قوله تعالى في سورة الجاثية ( 45 : 20 أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) - الآية - ولم يذكر الجرح والاجتراح في القرآن الا في هاتين الآيتين ، وقد يكون التخصيص بعمل السيئات لصيغة الافتعال كما ورد