الشيخ محمد رشيد رضا
462
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الآية تدل على هذا التوحيد فكذلك البرهان العقلي يساعد عليه ، وتقريره ان المبدأ لحصول العلم بالآثار والنتائج والصنائع هو العلم بالمؤثر ، والمؤثر الأول في كل الممكنات هو الحق سبحانه ، فالمفتح الأول للعلم بجميع المعلومات هو العلم به سبحانه ، لكن العلم به ليس الا له لان ما سواه أثر والعلم بالأثر لا يفيد العلم بالمؤثر ، فظهر بهذا البرهان ان مفاتح الغيب ليست الا عند الحق سبحانه واللّه أعلم « ( المسألة الرابعة ) قريء ولا حبة ولا رطب ولا يابس بالرفع وفيه وجهان ( الأول ) أن يكون عطفا على محل من ورقة وأن يكون رفعا على الابتداء وخبره الا في كتاب مبين كقولك : لا رجل منهم ولا امرأة الا في الدار « ( المسألة الخامسة ) قوله ( إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) فيه قولان ( الأول ) أن ذلك الكتاب المبين هو علم اللّه تعالى لا غير وهذا هو الأصوب ( والثاني ) قال الزجاج : يجوز ان اللّه جل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال عز وجل ( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها ) وفائدة هذا الكتاب أمور ( أحدها ) أنه تعالى انما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم اللّه تعالى في المعلومات وأنه لا يغيب عنه مما في السماوات والأرض شيء ، فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقا له ( وثانيها ) يجوز ان يقال إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والجنة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب واعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى ( وثالثها ) أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم والالزم الجهل فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع أيضا تغييرها والالزم الكذب فتصير كتابة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبا تاما وسبيا كاملا في انه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم كما قال صلوات اللّه عليه « جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » واللّه أعلم اه