الشيخ محمد رشيد رضا
457
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تصرفه وحده ، وان المفاتيح أي الوسائل التي يتوصل بها إلى علم الغيب هي عنده أيضا لا يعلمها علما ذاتيا الا هو ، فهو الذي يحيط بها علما وسواه جاهل بذاته لا يمكن أن يحيط علما بها ولا أن يعلم شيئا منها الا باعلامه عز وجل . وإذا كان الامر كذلك فالواجب أن يفوض اليه انجاز وعده لرسوله بالنصر ، ووعيده لأعدائه بالعذاب والقهر ، مع القطع بأنه لا يخلف وعده رسله ، وانما يؤخر انجازه إلى الاجل الذي اقتضته حكمته ، وقد تقدم في تفسير هذه السورة بيان حقيقة الغيب واستئثار اللّه تعالى بعلمه وما يعلمه بعض خلقه من الحقيقي أو الإضافي منه « 1 » وسنزيد ذلك بيانا وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قال الراغب : أصل البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير . وقيل إن أصله الماء الملح وأطلق على الأنهار بالتوسع أو التغليب . والبر ما يقابله من الأرض ، وهو ما يسميه علماء خرت الأرض باليابسة . وعلمه تعالى بما في البر والبحر من علم الشهادة المقابل لعلم الغيب ، على أن أكثر ما في خفايا البر والبحر ، غائب عن علم أكثر الخلق ، وان كان في نفسه موجودا يمكن أن يعلمه الباحث منهم عنه ، وقدم ذكر البر على البحر على طريقة الترقي من الأدنى إلى ما هو أعظم منه فان قسم البحر من الأرض أعظم من قسم البر وخفاياه أكثر وأعظم وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها أي وما تسقط ورقة ما من نجم أو شجر ما الا يعلمها ، لا حاطة علمه بالجزئيات كلها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي وما تسقط من حبة بفعل فاعل مختار في ظلمات الأرض كالحب الذي يلقيه الزراع في بطون الأرض يسترونه بالتراب فيحتجب عن نور النهار والذي تذهب به النمل وغيرها من الحشرات في قراها وجحورها ، أو بغير فعل فاعل كالذي يسقط من النبات في شقوقها وأخاديدها ، وما يسقط من رطب ولا يابس من الثمار ونحوها - الا كائن في كتاب مبين ، وهو علم اللّه تعالى الذي يشبه المكتوب في الصحف بثباته وعدم تغيره - أو كتابه الذي كتب فيه مقادير الخلق كما ورد في الحديث الصحيح وسيأتي ذكره ؛ وهو بمعنى قوله فيما قبله « إِلَّا يَعْلَمُها » ولذلك قيل إنه تكرير له
--> ( 1 ) راجع تفسير الآية الخمسين ص 422 وكذا الآية التاسعة ص 316