الشيخ محمد رشيد رضا
450
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في الأنفس والآفاق وهو ما أشرنا اليه في تفسير كتابتها . وأما قراءة الكسر فعلى الاستئناف النحوي أو البياني ، كأنه قيل ما هذه الرحمة ؟ أو ما حظنا منها في أعمالنا ؟ وهل من مقتضاها ان لا نؤاخذ بذنب ، وان يغفر لنا كل سوء بلا شرط ولا قيد ؟ فجاء الجواب : انه - أي الحال والشأن - من عمل منكم عملا تسوء عاقبته وتأثيره لضرره الذي حرمه اللّه لأجله حال كونه متلبسا بجهالة دفعته إلى ذلك السوء كغضب شديد حمله على السب أو الضرب ، أو شهوة مغتلمة قادته إلى انتهاك عرض ، . . . - فالجهالة هنا هي السفه والخفة ، التي تقابلها الروية والحكمة والعفة ، وقيل إنها الجهل الذي يقابله العلم لان كل من يعمل السوء لا بد ان يكون جاهلا ، فاما ان يجهل ما فيه من القبح والضرر ، واما ان يجهل سوء عاقبته وقبح تأثيره في نفسه ، وما يترتب على ذلك من سخط ربه وعقابه ، ذهابا مع الأماني واغترارا بتأول النصوص ، ومن هنا قال الحسن البصري كل من عمل معصية فهو جاهل وحاصل المعنى على القراءة الأولى كتب ربكم على نفسه الرحمة الخاصة التي هي المغفرة والرحمة لمن تاب من بعد عمل السوء بجهالة وأصلح عمله ، وعلى الثانية ان سألتم عن حظكم من هذه الرحمة فالجواب انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ أي ثم رجع عن ذلك السوء بعد أن عمله شاعرا بقبحه ، نادما عليه خائفا من عاقبته ، وأصلح عمله بأن أتبع ذلك العمل السيئ التأثير في النفس عملا يضاده ويذهب بأثره من قلبه ، حتى يعود إلى النفس زكاؤها وطهارتها وتصير كما كانت أهلا لنظر الرب وقربه فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي فشأنه سبحانه في معاملته أنه واسع المغفرة والرحمة فيغفر له ما تاب عنه ويتغمده برحمته وإحسانه . وهذه قاعدة من قواعد الدين وأس من آساسه أمر اللّه تعالى رسوله أن يبلغها لمن يدخلون فيه ليهتدوا بها ، حتى لا يغتروا بمغفرة اللّه ورحمته فيحملهم الغرور على التفريط في جنب اللّه والغفلة عن تزكية أنفسهم والمبادرة إلى تطهيرها من افساد الذنوب لها ، إلى أن تحيط بها خطيئتها ، وقد بينا هذه القاعدة مرارا في تفسير الآيات المقررة لها ؛ تارة بالايجاز وتارة بالاطناب وتارة بالتوسط بينهما . وكان أوسع ما كتبناه فيها تفسير قوله تعالى ( 4 : 16 إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ