الشيخ محمد رشيد رضا
443
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وإذا كان اللّه تعالى لم يجعل للرسول الذي أوجب طاعته حق محاسبة الناس على أعمالهم الدينية ونيتهم فيها ولا حق طردهم من حضرته - دع حق طردهم من الدين - فكيف يمكن ان يكون لمن دونه من الامراء أو القضاة أو غيرهم من الرؤساء مثل هذا الحق ؟ ويستنبط من الآية أن لا يجوز لرؤساء المدارس الدينية ولا ينبغي لغيرهم عقاب أحد من طلاب العلم بالحرمان من بعض الدروس فضلا عن طرده من المدرسة ، وحرمانه من تلقي الدين والعلم البتة . وقد كان من هدي الرسول ( ص ) تأليف قلوب ضعفاء الايمان حتى بعد قوة الاسلام واعزازه ، بل كان يعامل المنافقين بما يقتضيه ظاهر اسلامهم ، عملا بقاعدة بناء الاحكام على الظواهر ، وان اللّه هو الذي يتولى السرائر ، فأين هذا من طرد كملة المؤمنين السابقين الأولين ، الذين لم يكن لهم حظ دنيوي من اسلامهم الا الصبر على البلاء المبين ، والعذاب الأليم ؟ * * * وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي ومثل ذلك الفتن - أي الابتلاء والاختبار - العظيم ، الذي دل عليه النظم الكريم ، بمعونة وقائع الأحوال ، وما كان عند نزول السورة من التفاوت بين المؤمنين والكفار ، فتنا بعضهم ببعض ، أي جعلنا بحسب سنتنا في غرائز البشر وأخلاقهم بعضهم فتنة لبعض تظهر به حقيقة حاله غير مشوبة بشيء من الشوائب التي تلتبس بها في العادة ، كما يظهر للصائغ حقيقة الذهب والفضة بفتنهما بالنار أو بعرضهما على الفتانة ( حجر الصائغ ) لِيَقُولُوا : أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أي ليترتب على هذا الفتن ان يقول المفتونون من الأقوياء المستكبرين ، في شأن الضعفاء من المؤمنين ، : أهؤلاء الصعاليك من العبيد والموالي والفقراء والمساكين منّ اللّه عليهم فخصهم بهذه النعمة العظيمة من جملتنا ومجموعنا أو من دوننا ؟ المن الأثقال بنعمة عظيمة أو نعم كثيرة ، والاستفهام للانكار والتعجيب ، يعنون انه لا يتأتى ذلك لأنهم هم المفضلون عند اللّه تعالى بما أعطاهم من الغنى والثروة ، والجاه والقوة ، فلو كان هذا الدين خيرا لمنحهم إياه دون هؤلاء الضعفاء ، قياسا على ما أعطاهم قبله من الجاه والثراء ، ومن شواهد هذا القياس ما حكاه اللّه عنهم في قوله ( 46 : 10 وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ ) وقوله ( 43 : 30 وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) الخ قال المفسرون أي