الشيخ محمد رشيد رضا
441
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
على النبي ( ص ) ولم يكن ذلك في مكة بل كان الناس فيها يصدون عنه صدودا ، وانما كان في أواخر عمره ( ص ) بعد الهجرة . ومنها ما تقدم آنفا من عدم جواز إجابته ( ص ) مثل هذا الطلب ، ولو مع القصد الحسن ، بعد قوله تعالى له « كلا » في سورة عبس . وقد استشكل بعض المفسرين قوله تعالى ( وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) بناء على أن تعليل نفي ملك النبي ( ص ) لطردهم يتم بنفي كونه يملك شيئا من حسابهم ، وان هذه الزيادة وان كانت حقا لا يظهر لها دخل في التعليل . ويجاب على طريقتنا بأن طرد القوي للضعيف أو الكبير للصغير قد يترتب على محاسبة كل منهما للآخر فكم من قوي حاسب ضعيفا على عمل وجازاه عليه بالطرد ، وكم من ضعيف حاسب قويا على حقه وطالبه به أو على حق من حقوق أمته فطرده القوي لمناقشته إياه الحساب ؟ فلما بين ههنا انه لاحق لاحد الفريقين في حساب الآخر على شيء مّا علم أن القوي منهما لاحق له في طرد الضعيف بحال من الأحوال ، فإذا لا يكون طرده إياه - ان وقع - الاظلما . وعلى تقدير التسليم يقال إنه لا يستنكر في الكلام المراد به الهداية والارشاد ، ان يزاد فيه من الفوائد الاستطرادية ما يناسب المقام ، فلما بين تعالى للرسول انه لم يجعل من حقه على المؤمنين ان يحاسبهم على اعمالهم الدينية ويجازيهم عليها ، لان هذا من حق ربهم وإلههم ، لا من حق رسولهم ، بين له أيضا انه لم يجعل من حق المؤمنين على الرسول أن يحاسبوه على شيء من أعماله الخاصة به ، ولا العامة كتبليغ الدين وبيانه ، ولو شاء لفعل ، كما جعل حق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لبعض المؤمنين على بعض ، سواء في ذلك أئمتهم ورعيتهم ، فالامام ( السلطان ) راع وهو مسؤول عن رعيته ، لأهل الحل والعقد من الأمة أن يحاسبوه كما يحاسب هو من دونه من العمال . وليس لأحد من الناس أن يحاسب الرسول على سياسته أو تبليغه دعوة ربه ، ولكن للرسول ان يحاسب الناس على معاملة بعضهم لبعض عندما يكونون أمة مقيدة في أعمالها الدينية بشريعة ذلك الرسول ، ولما نزلت سورة الأنعام لم يكن المسلمون كذلك ، والظاهر أن عموم النفي فيها قد خصص بعد الهجرة ، ان لم يكن المراد في الأصل خصوص العبادة . وقال الزمخشري في نكتة ضم الجملة « تفسير القرآن الحكيم » « 56 » « الجزء السابع »