الشيخ محمد رشيد رضا
405
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كل منهما فريقان ( الأول ) الذين شبهوا بالصم وهم الذين لا يسمعون القرآن مطلقا ، استغناء عن هدايته بضلالهم ومشاغبة للداعي اليه ( وقالوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) والذين لا يسمعون سماع فهم وتأمل ، لتوهمهم عدم الحاجة إلى دين غير دين آبائهم ، أو لأن رؤساءهم ينهونهم ويصدونهم عنه ، ولم يوصف هؤلاء : بأنهم في الظلمات - على هذا الوجه لأن سماعهم مرجو وهدايتهم مأمولة عند زوال المانع . ( الثاني ) الذين شبهوا بالكم وهم الذين عرفوا الحق واستيقنوا صدق الرسول بالآيات والدلائل ، ولكنهم يكتمونها أو يجحدوا بها كبرا وعنادا ، لا تكذيبا له ولا إكذابا ، كما تعدم قريبا في الآية 37 - والذين لم يعرفوا الحق ولم يسألوا ولم يبحثوا فهم كالبكم لعدم استفادتهم من الكلام . ووصف هذا الفريق من البكم - وهم الجاهلون - بأنهم في الظلمات لأنهم لا ينظرون في دلالة الآيات المرئية ، ووصف بذلك الفريق الأول أيضا - وهم المستكبرون - لأنهم لا تؤثر في قلوبهم رؤية الرسول ( ص ) وصفاته القدسية ، وقد كانت شمائله الشريفة المرضية ، وروحانيته التي هي أقوى من الكهربائية ، تؤثر في النفوس المستعدة فتجذبها إلى الايمان ، من غير حاجة إلى إقامة حجة ولا تأليف برهان ، وقد كان يجيئه الاعرابي السليم الفطرة ممتحنا أو معاديا فإذا رآه آمن وقال ما هذا وجه كذاب . ودخل عليه رجل فأخذته رعدة شديدة من مهابته فقال له ( ص ) « هوّن عليك فاني لست بملك ولا جبار انما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة » فنطق الرجل بحاجته . رواه الحاكم من حديث جابر وقال صحيح على شرط الشيخين ومن الشواهد المؤيدة لما ذكرنا من التقسيم قوله تعالى في سورة يونس ( 10 : 42 وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ 43 وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ) وأما آية الاسراء فلا يظهر فيها هذا التقسيم ، ولا معنى ما دلت عليه آيتا البقرة من إرادة اجتماع تلك الصفات الثلاث الحائلة دون جميع طرق الهداية . وانما تفيد ان هذه العلل تعرض لهم في حالات وأوقات مختلفة من يوم الحشر والجزاء ، فيكونون عميا هائمين في الظلمات على وجوههم ( 57 : 2 يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ ) فلا يرون الطريق الموصل إلى الجنة عندما يساق أهلها إليها ، ويكونون بكما يوم « لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ » وذلك في بعض