الشيخ محمد رشيد رضا

402

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تعالى ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ) نزل في سياق الكلام عن البشر وأما القول بحياة الجماد فهو منقول عن بعض الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين ، وعن بعض الطبيعيين والكيماويين ، ولهم عليه دلائل علمية ونظرية . ويتوقف بيان ذلك على تعريف الحياة ومظاهرها وخواصها كالتغذي ولنمو والتولد والموت ، وفي تلك الجمادات ولا سيما الأجسام المتباورة شيء من ذلك . وكان شيخنا الأستاذ الامام يعتقد ان الحياة منبثة في العالم كله ، ولعلنا نعود إلى هذا البحث بعد * * * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ أي والكفار الذين كذبوا بآياتنا المنزلة وما أرشدت اليه من آياتنا الدالة على وحدانيتنا وصدق ما جاء به رسولنا تكذيب جحود واستكبار ، أو تكذيب جمود على تقليد الآباء وطاعة الكبراء ، صم لا يسمعون دعوة الحق والهدى سماع فهم وقبول ، وبكم لا ينطقون بما عرفوا من الحق ولا يقرون بما يدعوهم اليه الرسول ، متسكعون - أو حال كونهم متسعكين خابطين - في تلك الظلمات الحالكة - ظلمة الشرك والوثنية ، وظلمة تقاليد الجاهلية ، وظلمة كبرياء العصبية ، - وظلمة الجهل والأمية ، - ظلمات بعضها فوق بعض ، لا ينفذ منها إليهم من نور الهداية شيء ، فهم لا يبصرون صراطها ، ولا يرون منهاجها ، وذلك ما جنوه على أنفسهم بسوء اختيار الافراد وفساد تربية المجموع ، ولكل سيرة غاية تنتهي إليها بحسب سنن للّه التي قضت بها حكمته ، ونفذت بها مشيئته مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ أي من تعلقت مشيئة اللّه بإضلاله يضلله كما أضلّ هؤلاء الذين استحبوا العمى على الهدى فلم يستعملوا اسماعهم ولا أفواههم ولا عقولهم في آيات اللّه تعالى الدلة على حقية ما جاء به رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وانما اضلاله إياهم اقتضاء سننه في عقول البشر وغرائزهم وأخلاقهم ان يعرض المستكبر عن دعوة من يراه دونه ، واتباع من يراه مثله ، وان ظهر له ان الحق معه ، وان يعرض المقلد عن النظر في الآيات والدلائل التي تنصب لبيان بطلان تقاليده واثبات خلافها ، ما دام مغرورا بها مكبرا لمن جرى من الآباء والكبراء عليها . وليس معنى ذلك أن يخلق اللّه تعالى الضلال لمن شاء إضلاله خلقا ، ويجعله له غريزة وطبعا ، ولا ان يلجئه اليه إلجاء ، ويكرهه عليه اكراها ، فيكون اعراضه عن الحق والخير وإقباله على الباطل والشر كحركة