الشيخ محمد رشيد رضا

387

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قادر على تنزيل آية مما اقترحوا وإنما ينزلها إذا اقضت حكمه تنزيلها ، لا إذا تعلقت شهوتهم بتعجيز الرسول بطلبها ؛ فان إجابة المعاندين إلى الآيات المقترحة لم يكن في أمة من الأمم سببا للهداية ، وقد مضت سنته تعالى في الأقوام ، بأن يعاقب المعجزين للرسل بذلك بعذاب الاستئصال ، فتنزيل آية مقترحة لا يكون خيرا لهم لا هو شر لهم ، ولكن أكثرهم لا يعلمون شيئا من حكم اللّه تعالى في أفعاله ، ولا من سننه في خلقه ، ولا انك أرسلت رحمة للعالمين ، فلا يأتي على يديك سبب استئصال أمتك ، بإجابة المعاندين منها إلى ما اقترحوا عليك لإظهار عجزك ؛ ولا يعلمون أيضا أن إجابة اقتراح واحد يؤدي إلى اقتراحات كثيرة لاحد لها ، ولا فائدة منها . وقد يعلم أفراد منهم بعض ذلك علما ناقصا لا يهدي إلى الاعتبار ، ولا يصد صاحبه عن مثل هذا الاقتراح . ومن قال إنهم اقترحوا آية ملجئة يقول : ولكن أكثرهم لا يعلمون ان تنزيلها يزيل الاختيار الذي هو أساس التكليف فلا يبقى لدعوة الرسالة فائدة قرأ ابن كثير ( ينزل ) بالتخفيف من الانزال ، والباقون بالتشديد من التنزيل ، الدال بصيغته على التدريج أو التكثير ، وقال المفسرون ان معناهما ههنا وحد ، والذي نراه هو ان كل صيغة منهما على أصل معناها ، وأن الجمع بينهما لبيان ان بعضهم اقترح آية واحدة تنزل دفعة واحدة كنزول ملك من السماء عليهم أو عليه ، وهو المشار اليه بقراءة ابن كثير ، وبعضهم اقترح عدة يأت منها ما لا يكون الا بالتدريج ، وهي المشار إليها بقراءة الجمهور . ولا ينافي افراد الآية هنا طلب بعضهم لعدة آيات إذ المراد بها آية مما اقترحوا ، وقد صرح بلفظ الجمع في آية العنكبوت الواردة بمعنى هذه الآية وسيأتي نصها قريبا هذا وان بعض الكفار ، وبعض الشاكين والمشككين في الاسلام ، يقولون لو أن محمدا ( ص ) أوتي آية بينة ومعجزة واضحة تدل على نبوته ورسالته لما طلب قومه الآية ؛ وان هذا الجواب بقدرة اللّه على تنزيل الآية ونفي العلم عن أكثرهم ، لا تقوم به الحجة عليهم ، المبطلة لحقية طلبهم . وإليك الجواب عن هذه الشبهة : ان الآية الكبرى لخاتم الرسل ( ص ) على نبوته هي القرآن ، وانها لآية مشتملة على آيات كثيرة ، وقد احتج عليهم به وتحداهم بسورة من مثله فعجزوا ، واحتج