الشيخ محمد رشيد رضا
385
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأما قوله تعالى لموسى وهارون حين دعوا على فرعون وملئه ( 10 : 89 قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ) فهو تبشير لهما بأنه تعالى قد قبلها بالفعل ، وهذا من الإجابة القولية جاءت بصيغة الماضي للإيذان بتحقق مضمونها في المستقبل حتى كأنها أجيبت وانتهى أمرها . وهذا المعنى تؤديه مادة الإجابة دون مادة الاستجابة . ولو ذكرت هذه المسألة بصيغة الحكاية لعبر عن إعطئهما ما سألا بلفظ الاستجابة كما قال في شأن كل من أيوب وذي النون وزكريا ( فَاسْتَجَبْنا لَهُ ) * فيا للّه العجب من هذه الدقة والبلاغة في هذا الكلام الإلهي المعجز للبشر حتى في وضع مفرداته في مواضعها ، دع بلاغة أساليبه وجمله ، وعلومه وحكمه ، وما فيه من أخبار الغيب ، وغير ذلك من الآيات البينات . هذا تحقيق معنى الاستجابة . وقيل إن الفرق بين الإجابة والاستجابة هو ان الاستجابة تدل على القبول ، ولا يعرف له أصل منقول ولا معقول . والسمع والسماع يطلق بمعنى إدراك الصوت ، وبمعنى فهم ما يسمع من الكلام ، وهو ثمرة السماع - وبمعنى قبول ما يفهم منه والاعتبار به والعمل بموجبه ، وهذه ثمرة الثمرة ، فهي المرتبة الكاملة العليا من مراتب السماع ، فمن سمع ولم يفهم ، كان كمن لم يسمع ، ومن فهم ولم يعمل ، كان كمن لم يفهم ، وهذا القول أقرب إلى الحقيقة وأبعد عن قصد المبالغة من قول الشاعر : خلقوا وما خلقوا لمكرمة * فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد * فكأنهم رزقوا وما رزقوا ذلك بأن للخلق والرزق ثمرات وغايات غير المكارم وسماح اليد ، وأما سماع الكلام فلا فائدة له الا فهمه ، وفهمه لا فائدة له الا الانتفاع به ، ولأجل هذا أطلق القرآن على من لا يستفيدون من سماع الآيات والعلم النافع لفظ الصم ولفظ الموتى في عدة آيات منها قوله فيهما معا ( 27 : 82 إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) والآية التي نفسرها من هذا القبيل فمعنى صدر الآية : انما يستجيب لك أيها الرسول - أو للّه ولرسوله - الذين يسمعون كلام اللّه الداعي اليه بآياته سماع فهم وتدبر فيعقلون الآيات ويذعنون لما عرفوا بها من الحق ، لسلامة فطرتهم واستقلال عقولهم ، دون الذين قالوا سمعنا « تفسير القرآن الحكيم » ( 49 ) « الجزء السابع »