الشيخ محمد رشيد رضا

380

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقال ( 30 : 45 وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) وهي نص في تعليل النصر بالايمان . ولكننا نرى كثيرا من الذين يدعون الايمان في هذه القرون الأخيرة غير منصورين ، فلا بد ان يكونوا في دعوى الايمان غير صادقين ، أو يكونوا ظالمين غير مظلومين ، ولأهوائهم للّه ناصرين ، ولمننه في أسباب النصر غير متبعين ؛ وان اللّه لا يخلف وعده ، ولا يبطل سننه ، وانما ينصر المؤمن الصادق ، وهو من يقصد نصر اللّه وإعلاء كلمته ، ويتحرى الحق والعدل في حربه ، لا الظالم الباغي على ذي الحق والعدل من خلقه ، يدل على ذلك أول ما نزل في شرع القتال من سورة الحج ( 22 : 37 أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا - إلى قوله - وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) فأما الرسل الذين نصرهم اللّه تعالى ومن معهم فقد كانوا كلهم مظلومين ، وبالحق والعدل معتصمين ، وللّه ناصرين . وقد اشترط مثل ذلك في نصر سائر المؤمنين ، فقال في سورة القتال ( 47 : 8 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ) والايمان سبب حقيقي من أسباب النصر المعنوية يكون مرجحا بين من تساوت أسبابهم الأخرى ، فليس النصر به من خوارق العادات . وأما تأييد اللّه تعالى للرسل باهلاك أقوامهم المعاندين فهو أمر آخر زائد على تأثير الايمان في الثبات والصبر ، والاتكال على اللّه تعالى عند اشتداد البأس ، وعروض أسباب اليأس ، ومن كان حظه من صفات الايمان ولوازمه أكبر ، كان إلى نيل النصر أقرب ، إذا كان مساويا لخصمه في سائر أسباب القتال ، ولا سيما حسن النظام وجودة السلاح ، وقد سبق لنا كلام في هذه المسألة في مواضع من التفسير وغيره ( راجع كلمة « نصر » من فهارس أجزاء التفسير ومجلدات المنار ) * * * وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ مما اقترحوه عليك من الآيات ليؤمنوا فافعل أو فأتهم بها . يقال كبر على فلان الامر أي عظم عنده وشق عليه وقعه . والاعراض التولي والانصراف عن الشيء رغبة عنه أو احتقارا له ، وهو من ابداء المرء عرضه عند توليه عن الشيء واستدباره له ، واستطعت الشيء : صار في طوعك منقادا لك باستيفاء الأسباب التي تمكنك من فعله ، والابتغاء طلب ما في طلبه كلفة ومشقة أو تجاوز