الشيخ محمد رشيد رضا

376

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عن أقوال أخرى قديمة ( منها ) قول بعضهم فإنهم لا يكذبونك فيما وافق كتبهم وان كذبوك في غيره ، وهو أضعف ما قيل لان الكلام في مشركي مكة ولا كتب عندهم ، ومنها قول بعضهم فإنهم لا يتفقون على تكذيبك ولكن يكذبك الظالمون منهم الذين يجحدون بآيات اللّه ( ومنها ) ان المعنى فإنهم لا يعتقدون كذبك ولا يتهمونك به ولكنهم يجحدون بالآيات لظلمهم لأنفسهم وهذا أقواها كما ترى : تقدم ان المختار عندنا هو أن المراد هنا بما يحزنه ( ص ) من قولهم ما تقدم في أوائل السورة من قوله تعالى حكاية عنهم ( وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ) وما في معناه . ويوضحه ما روي في موضوع الآية ونزولها - وهو المتبادر من النظم الكريم - فالكلام إذا في طائفة الجاحدين كبرا وعنادا كأبي جهل والأخنس وأضرابهما ، وهؤلاء لم يكونوا يعتقدون كذب النبي ( ص ) ولا يمكن أن يجدوه كاذبا في خبر يخبرهم به في المستقبل كما أنهم لم يجدوه كاذبا في يوم من أيامه الماضية ، بل عصمته من الكذب في المستقبل أظهر وأولى ، ولكنهم لظلمهم أنفسهم بالكبر والاستعلاء يجحدون بآيات اللّه الدالة على نبوته ورسالته بمثل زعمهم أن القرآن نفسه سحر يؤثر ، وهم لم يكونوا يعتقدون ذلك وانما يريدون به صد العرب عنه . وأما إذا جعلت الآية عامة وأريد بما يحزنه ( ص ) ما كان يقوله المشركون من ضروب الأقوال في إنكار التوحيد والبعث والنبوة وسائر مسائل الدين ، ففي هذه الحالة يظهر اتجاه غير واحد من تلك الأقوال المنقولة بصدق بعضها على أناس وبعضها على آخرين ، فان نفي التكذيب إنما يصدق على بعضهم كالجاحدين المعاندين دون جمهور الضالين الجاهلين ، وانما كان الجحود من الرؤساء المستكبرين ظلما وعنادا على علم ، ومن المقلدين جهلا واحتقارا منهم لأنفسهم بترك النظر ، وغلوا في ثقتهم بكبرائهم وآبائهم . ولا شك في أن بعض المشركين كان يكذب النبي ( ص ) تكذيب الافتراء عن اعتقاد أو غير اعتقاد ، قال تعالى في سورة الفرقان ( إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) إلى قوله ( أَصِيلًا ) ولم تكن كل العرب تعرف من سيرته وصدقه ( ص ) ما كان يعرفه معاشروه من قريش . وسيأتي التصريح بتكذيبهم إياه في جمل شرطية من هذه السورة وغيرها كالشواهد التي تراها في تفسير الآية التالية :