الشيخ محمد رشيد رضا
362
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الثقيل ، ووزره ( بوزن وعده ) حمله على ظهره ، ويطلق الوزر على الاثم والذنب ، لان ثقله على النفس كثقل الحمل على الظهر ، وهو المراد في الآية ، وجعل الذنوب محمولة على الظهور مجاز من باب التمثيل بالاستعارة لان حالة الأنفس فيما تقاسيه من سوء تأثير الذنوب فيها وما يترتب على ذلك من التعب والشقاء والآلام يشبه هيئة الأبدان في حال نوئها بالاحمال الثقيلة وما تقاسيه في ذلك من التعب والجهد والزحير ، أو هو محمول على القول بتجسم المعاني والاعمال في الآخرة ، وتمثلها هي ومادتها بصور تناسبها في الحسن أو القبح ، كما ورد في الغلول « * » والمال الذي لا تؤدى زكاته ، وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي وعمرو بن قيس الملائي أن الاعمال القبيحة تتمثل بصورة رجل قبيح يحمله صاحبها يوم القيامة ، والصالحة بصورة رجل حسن أو صورة حسنة تحمل صاحبها يوم القيامة ، ويجوز أن يكون هذا القول من قبيل التمثيل أيضا . والمعنى انهم ينادون الحسرة التي أحاطت بهم أسبابها وهم في أسوإ حال بما يحملون من أوزارهم على ظهورهم ، وقد بين اللّه تعالى سوء تلك الحال ، التي تلابسهم عند اللهج بذلك المقال ، بقوله أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ فبدء هذه الجملة بألا الافتتاحية التي يراد بها العناية بما بعدها وتوجيه ذهن السامع اليه - يفيد المبالغة في تقريره وتأكيد مضمونه ، ووجوب الاهتمام بالاعتبار به ، و « ساءَ » فعل ذم أشرب معنى التعجب أو التعجيب ، أي ما أسوأ حملهم ذاك أو ما أسوأ تلك الأثقال التي يحملونها ، وقيل إن « ساءَ » هنا هو الفعل المتعدي أي ساءهم وأحزنهم حملهم لتلك الأوزار ، أو ساءتهم تلك الأوزار التي يحملونها . والأول أبلغ ثم بين تعالى حقيقة ما يغر الناس من الحياة الدنيا وهو التمتع الخاص بها ، والمقابلة بين ذلك وبين حظ المتقين للّه فيها من الدار الآخرة ، إثر بيان ما يلقاه أولئك المفتونون بالأولى ، عندما يصيرون إلى الثانية التي كانوا يكذبون بها ، فقال : * * * وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ اللعب هو الفعل الذي لا يقصد به فاعله مقصدا صحيحا من تحصيل منفعة أو دفع مضرة ، كأفعال الأولاد الصغار التي يتلذذون بها لذاتها ، فما يعالجونه من كسر حبة نقل أو إزالة غشاء عن قطعة حلوى
--> ( * ) راجع ص 216 و 217 ج 4 تفسير