الشيخ محمد رشيد رضا

339

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شهادته سبحانه برسالة الرسول ( ص ) وشهادته بما جاء به . وشهادته عز وجل برسالة رسوله ثلاثة أنواع ( أحدها ) اخباره بها في كتابه بمثل قوله ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ * إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً * * وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً * وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ * تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * يس ، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ . إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) فهذه شهادات وردت بغير لفظ الشهادة وهو غير شرط في صحتها خلافا لبعض الفقهاء ، ولا يقتضي التلفظ به حقيتها فقد حكى اللّه عن اخوة يوسف أنهم ( فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا ) وهم لم يقولوا : نشهد ان ابنك سرق . وقد سموا قولهم شهادة لأنه عن علم بما ثبت عليه عند عزيز مصر ، وان كان ذلك الاثبات مصنوعا . وقال تعالى ( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) فإنهم صرحوا بلفظ الشهادة ولما كانوا غير مؤمنين بها شهد اللّه تعالى بكذبهم فيها . وقال تعالى ( لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) فهذه شهادة صرح فيها باللفظ ، وكذلك قوله تعالى ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ، قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) وهي بمعنى هذه الآية التي نفسرها ( النوع الثاني من شهادة اللّه تعالى لرسوله ) تأييده بالآيات الكثيرة وأعظمها القرآن - وهو الآية العلمية العقلية الدائمة بما ثبت بالفعل عن عجز البشر عن الاتيان بسورة من مثله . وبما اشتمل عليه من الآيات الكثيرة كاخبار الغيب ووعد الرسول والمؤمنين بنصره تعالى لهم واظهارهم على أعدائهم وغير ذلك مما ثبت بالفعل عند أهل عصره ونقل الينا بالتواتر . ومنها غير القرآن من الآيات الحسية والاخبار النبوية بالغيب التي ظهر بعضها في زمنه وبعضها بعد زمنه عليه أفضل الصلاة والسّلام ، كقوله في سبطه الحسن وهو طفل « ابني هذا سيد ولعل اللّه يصلح به بين فئتين من المسلمين » وقوله في عمار بن ياسر « تقتله الفئة الباغية » وقوله « صنفان من أهل النار لم أرهما بعد : رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات ، على رؤوسهن كأسنمة البخت » ( النوع الثالث من شهادته لرسوله ) شهادة كتبه السابقة له وبشارة الرسل