الشيخ محمد رشيد رضا
306
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
للقرن فأوسط الأقوال انه سبعون أو ثمانون سنة ، وقيل مئة أو أكثر وقيل ستون أو أربعون ، والمعقول انه مقدار متوسط أعمار الناس في كل زمان . وذهب بعضهم إلى تحديد القرن بالحالة الاجتماعية التي يكون عليها القوم ، فقال الزجاج انه عبارة عن أهل عصر فيهم نبي أو فائق في العلم ، أي أو ملك من الملوك ، وهذا أقرب إلى استعمال القرآن ، فالظاهر أن قوم نوح قرن وان امتدّ زمنه فيهم زهاء ألف سنة ، وقوم عاد قرن وقوم صالح قرن . ويطلق القرن على الزمان نفسه والمشهور في عرف الكتاب اليوم أن القرن مئة سنة . و ( التمكين ) يستعمل باللام وفي . يقال : مكن له في الأرض - جعل له مكانا فيها ، ونحوه أرّض له . ومنه ( إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ) ويقال : مكنه في الأرض - أي أثبته فيها ومنه ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ) كذا في الكشاف قال ولتقارب المعنيين جمع بينهما في هذه الآية . وقيل إن مكنه ومكن له كوهبه ووهب له ، وقال أبو علي اللام زائدة كردف له ، وسيأتي تحقيق معنى الاستعمالين - والسماء المطر ، والمدرار المغرار فهو صيغة مبالغة من الدّر ، وهو مصدر درّ اللبن درا ، أي كثر وغزر ، ويسمى اللبن الحليب درا كالمصدر . والارسال والانزال متقاربان في المعنى لان اشتقاق الارسال من رسل اللبن وهو ما ينزل من الضرع متتابعا ، وقال الراغب : أصل الرّسل الانبعاث على التؤدة ويقال ناقة رسلة سهلة السير ، وإبل مراسيل - منبعثة انبعاثا سهلا ، ومنه الرسول المنبعث . ثم ذكران الارسال يكون ببعث من له اختيار كارسال الرسل ، وبالتسخير كارسال الريح والمطر ، وبترك المنع نحو قوله ( أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ ) ويستعمل فيما يقابل الامساك نحو ( وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ ) والكلام استئناف لبيان ما توعدهم به ، وكونه مما سبقت به سنته في المكذبين من أقوام الأنبياء . والمعنى ألم يعلم هؤلاء الكفار المكذبون بالحق كم أهلكنا من قبلهم من قوم أعطيناهم من التمكين والاستقلال في الأرض وأسباب التصرف فيها ما لم نعطهم هم مثله ثم لم تكن تلك المواهب والنعم بمانعة لهم من عذابنا لما استحقوه بذنوبهم ( أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) لا هذا ولا ذاك ، فإما الايمان وإما الهلاك -