الشيخ محمد رشيد رضا

296

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كل ظلمة منها ، كأنه قال : وهم مع ذلك يعدلون به غيره ، أي يجعلونه عدلا له أي عديلا مساويا له في كونه يعبدو يدعى لكشف الضر وجلب النفع ، فهو بمعنى يشركون به ويتخذون له أندادا . وقيل يعدلون بأفعاله عنه وينسبونها إلى غيره ممن لم يجعله سببا لتلك الافعال كالمعبودات التي ينسبون إليها ما ليس لها أدنى تأثير فيه ، وأدنى من هذا أن تنسب إلى الأسباب مع نسيان فضل اللّه الذي سخر لهم تلك الأسباب ، وإنما الواجب معرفة السبب والخالق الواضع للأسباب رحمة منه بالعباد . وقيل معناه يعدلون عن الحق وهو التوحيد وما يستلزمه من حمد الخالق وشكره ، من قولهم عدل عن الشيء عدولا إذا جار عنه وانحرف ، ومال إلى غيره وانصرف . * * * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ هذا كلام مستأنف جاء على الالتفات عن وصف الخالق تعالى بما دل على حمده وتوحيده إلى خطاب المشركين الذين عدلوا به غيره في العبادة ، يذكرهم به بما هو ألصق بهم من دلائل التوحيد والبعث . وهو خلقهم من الطين وهو التراب الذي يخالطه الماء فيكون كالعجين ، وقد خلق اللّه آدم أبا البشر من الطين كما خلق أصول سائر الاحياء في هذه الأرض إذ كانت حالتها مناسبة لحدوث التولد الذاتي ، بل خلق كل فرد من أفراد البشر من سلالة من طين ، فبنية الانسان مكونة من الغذاء ومنه ما في رحم الأنثى من جراثيم النسل ، وما يلقحه من ماء الذكر ، فهو متولد من الدم والدم من الغذاء ، والغذاء من نبات الأرض أو من لحوم الحيوان المتولد من الأرض ، فمرجع كل إلى النبات ، وانما النبات من الطين . ومن تفكر في هذا ظهر له ظهورا جليا أن القادر عليه لا يعجزه أن يعيد هذا الخلق كما بدأه إذا هو أمات هذه الاحياء بعد انقضاء آجالها التي قضاها لها في أجل آخر يضر به لهذه الإعادة بحسب علمه وحكمته والأجل في اللغة هو المدة المضروبة للشيء أي المقدار المحدود من الزمان . وقضاء الاجل يطلق على الحكم به وضر به للشيء ، وعلى القيام بالشيء وفعله ، إذ أصل القضاء : فصل الامر قولا كان ذلك أو فعلا - كما قال الراغب - مثال الأول ان شعيبا عليه السّلام قضى أجلا لخدمة موسى له ثماني سنين وأجلا آخر اختياريا سنتين ، فهذا قضاء قولي ، وقد قضى موسى عليه السّلام الاجل