الشيخ محمد رشيد رضا

288

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقد تقدم هذه السورة أربع سور طوال بعد الفاتحة التي لا يراعى مناسبتها لما بعدها وحده ، إذ هي فاتحة القرآن كله ، وهذه السور الأربع مدنية وبينها من التناسب في الترتيب ما بيناه ، وقد جاء بعدهنّ سورتا الانعام والأعراف المكيتان ، وبعدهما سورتا الأنفال والتوبة المدنيتان ، ويقعان في أوائل الربع الثاني من القرآن ؛ وما بعدهما من سور النصف الأول من القرآن كله مكي ، وسور الربع الثالث كلها مكية أيضا الا سورة النور فإنها مدنية والا سورة الحج فهي مختلف فيها والتحقيق انها مختلطة . وأما الربع الرابع فهو مختلط وأكثره سور المفصل التي تقرأ كثيرا في الصلاة . فينبغي بيان مناسبة جعل سورتي الانعام والأعراف بعد الأربع المدنية الأولى وقبل السورتين المدنيتين اللتين بعدهما ثم مناسبة الانعام للمائدة خاصة : سورة البقرة أجمع سور القرآن لأصول الاسلام وفروعه ففيها بيان التوحيد والبعث والرسالة العامة والخاصة وأركان الاسلام العملية ، وبيان الخلق والتكوين ، وبيان أحوال أهل الكتاب والمشركين والمنافقين في دعوة القرآن ، ومحاجة الجميع ، وبيان احكام المعاملات المالية والقتال والنساء . والسور الطوال بعدها متممة لما فيها ، فالثلاث الأولى منها مفصلة لكل ما يتعلق بأهل الكتاب ، ولكن البقرة أطالت في محاجة اليهود خاصة ، وسورة آل عمران أطالت في محاجة النصارى في نصفها الأول ، وسورة النساء حاجتهم في أواخرها ، واشتملت في أثنائها على بيان شؤون المنافقين مما أجمل في سورة البقرة ، ثم أتمت سورة المائدة محاجة اليهود والنصارى فيما يشتركان فيه وفيما ينفرد كل منهما به . ولما كان أمر العقائد هو الأهم المقدم في الدين ، وكان شأن أهل الكتاب فيه أعظم من شأن المشركين ، قدمت السور المشتملة على محاجتهم بالتفصيل ، وناسب ان يجيء بعدها ما فيه محاجة المشركين بالتفصيل ، وتلك سورة الأنعام لم تستوف ذلك سورة مثلها ، فهي متممة لشرح ما في سورة البقرة مما يتعلق بالعقائد ، وجاءت سورة الأعراف بعدها متممة لما فيها ومبينة لسنن اللّه تعالى في الأنبياء المرسلين وشؤون أممهم معهم ، وهي حجة على المشركين وأهل الكتاب جميعا ، ولكن سورة الأنعام فصلت الكلام في إبراهيم الذي ينتمي اليه العرب وأهل الكتاب في النسب والدين ، وسورة الأعراف فصلت الكلام في موسى الذي ينتمي اليه أهل