الشيخ محمد رشيد رضا

26

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وفيما ذكرناه الموقوف والمرفوع والصحيح والضعيف ، ومجموعها حجة لا نزاع فيها فان قيل : ان المأثور عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعلي ( رض ) وعن غيرهم من كبار الصحابة والتابعين انهم كانوا في غاية التقشف وتعمد ترك الطيبات من الطعام والشراب وكذا اللباس الحسن ، فكيف تركوا ما زعمت أنه الأفضل من إعطاء البدن حقه - كاعطاء الروح حقها - بالتمتع بالطيبات من غير اسراف ؟ فالجواب أن المأثور عن أهل اليسار من الصحابة انهم كانوا كما ذكرنا . وأهل الإقتار حالهم معلوم . واللّه تعالى يقول ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ ) الآية . وأما الخلفاء الثلاثة فكانوا يتعمدون التقشف ليكونوا قدوة لعمالهم ولسائر الفقراء والضعفاء . وقد كان المفروض لأبي بكر وعمر ( رض ) في بيت المال قدر المفروض لأوساط المهاجرين ، لا لأعلاهم كآل بيت الرسول ( ع م ) ولا لأدناهم كالموالي . ولا حجة فيمن بعدهم . فالصوفية والزهاد يتتبعون ما نقل عن بعض الصحابة والتابعين من التقشف ويزعمون أن مقتضى الدين الاسلامي أن يكون الناس كلهم كذلك . كما أن أهل السعة والترف يجمعون ما نقل عن موسري السلف من التوسع في المباحات ، ويجعلونه حجة لاسرافهم . وخير الأمور الوسط ، فراجع تفسير قوله تعالى ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) والقاعدة العامة قوله تعالى في وصف خيار هذه الأمة الوسط ( وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ، وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ) * * * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً هذا تصريح بالأمر بضد مقتضى النهي الذي قبله ، أي كلوا مما رزقكم اللّه تعالى إياه حال كونه حلالا في نفسه غير داخل فيما حرمه عليكم - من الميتة بأنواعها والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل به لغير اللّه - وحلالا في طريقة كسبه وتناوله ، بأن لا يكون ربا أو سحتا أو غصبا أو سرقة [ ومن الناس من يقول إن الرزق في عرف الشرع ما ملك ملكا صحيحا ، لا كل ما انتفع به الانسان ، فلا يحتاج إلى هذا القيد ] وحال كونه مستلذا غير مستقذر في نفسه أو لفساد طرأ عليه كالطعام المنتن والمراد بالأكل التمتع فيدخل فيه الشرب مما كان حلالا غير مسكر ولا ضار طيبا غير مستقذر في نفسه أو بفساده أو نجاسة طرأت عليه . وانما عبر بالاكل لأنه