الشيخ محمد رشيد رضا
268
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إلى رسوله عيسى عليه الصلاة والسّلام * * * ولما كان المراد من السؤال الذي أجيب عنه بهذا الجواب هو إقامة الحجة التي يظهر بها عدل اللّه تعالى يوم القيامة فيما يجزي به من اتخذ عيسى وأمه إلهين وغيرهم من قومه فوض عليه السّلام أمر الجزاء اليه تعالى بحسب ما تقتضيه شهادته تعالى وصفاته فقال إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي ان تعذب أولئك الناس الذين أرسلتني إليهم فبلغتهم ما أمرتني به من توحيدك وعبادتك وحدك ، فضلّ من ضل منهم ، وقالوا ما لم أقله لهم ، واهتدى من اهتدى منهم فلم يعبدوا معك أحدا من دونك ، فإنهم عبادك وأنت ربهم الأولى والأحق بأمرهم ، ولست أنا ولا غيري من الخلق بأرحم بهم ، ولا بأعلم بحالهم ، وانما تجزيهم بحسب علمك بظواهرهم وبواطنهم ، فأنت أعلم بالمؤمن الموحد ، والمشرك المثلث ، والطائع الصالح ، والعاصي الفاسق ، والمقر للكفر والفسق والمنكر لهما ، وأنت عالم الغيب والشهادة تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون * ولا تظلم أحدا مثقال ذرة . فالمراد إذا إن تعذب فانّما تعذب من يستحق التعذيب منهم . ولا يمنع إرادة هذا المعنى إطلاق الضمير الراجع إلى جملتهم فإنه ضمير الجنس الذي يصدق ببعض الافراد ، وهو لم يرد بصيغة من صيغ العموم . ولذلك أطلقه في المقابل . وهو قوله : وان تغفر لهم الخ أي وان تغفر فإنما تغفر لمن يستحق المغفرة منهم ، فإنك أنت العزيز أي القوي الغالب على أمره ، الحكيم في جميع تصرفه وصنعه ، فيضع كل حكم وجزاء وفعل في موضعه . وهو أعلم بموضع العدل ، وموضع الرحمة والفضل وهذا التوجيه أظهر من قول بعضهم ان تعذب من أشرك منهم فإنهم عبادك ، وان تعذب من آمن منهم فإنك أنت العزيز الحكيم . فان هذا تعيين لمن يعذبه ومن يغفر له ، ينافيه إطلاق ضمير الجنس في مقام التفويض الذي مهد له بالبراءة مما قالوه فيه وفي أمه ، مخالفا لما بلغهم عن ربه ، واثبات أن اللّه تعالى هو الرقيب عليهم ، والشهيد على كل شيء يقع منهم ومن غيرهم . فكأنه قال لربه : إنك أنت العليم بما كان منهم مدة وجودي بينهم وبعد وفاتي ، وأنت الشهيد عليهم ولا شهادة أكبر ولا أصدق من شهادتك ، فمهما توقعه فيهم من عذاب فلا دافع له من دونك ، إذ لا يوجد أحد