الشيخ محمد رشيد رضا

254

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الصلاة والسّلام إطعام العدد الكثير من الطعام القليل بخلق اللّه الزيادة فيه ، وروي عن نبينا أيضا إسقاء العدد الكثير من الماء القليل إذ وضع يده فيه فصار يزيد ويفور من بين أصابعه . فأمثال هذه الآيات - وان كانت من اللّه ككل شيء - تحصل بما يشبه الأسباب ، وفيها مجال لاشتباه المرتاب ، لان كل من يأخذ من ذلك الطعام أو الماء فإنما يأخذ من شيء كان موجودا وهو لم يشاهد حدوث الزيادة فيه . وينقل الناس مثل هذا عن غير الأنبياء من الصالحين ، كالسحرة والمشعوذين ، وقد كان معروفا في بني إسرائيل ، ولذلك وصف الحواريون المائدة بما وصفوها به ، وقال هو « وَآيَةً مِنْكَ » لتوافق مطلوبهم فلا يقترحوا شيئا آخر ، وانني أذكر حكايتين عن بعض المعاصرين توضح ما أريد : حدثني الثقة أن بعض رجال العلم والدين عاد مريضا من الرجال المعتقدين المشهورين بالكرامات فأقام عنده في حجرة النوم ساعة وكان قدنقه ، ثم أراد الانصراف فآلى عليه أن يتعشى معه ، ثم دعى بالخوان فنصب ولم يوضع عليه شيء من الطعام ، فجلس اليه الشيخان وصار المزور يقترح على الزائر أن يذكر ما يشتهي من ألوان الطعام وكلما ذكر شيئا مد المزور صاحب الدار يده فأخرج صحنا من تحت كرسي أو أريكة بجانبه مملوء بذلك اللون وهو سخن يتصاعد بخاره ، حتى ذكر عدة ألوان لا تناسب بينها ولم تجر عادة البلد بالجمع بينها ، وأبعد من ذلك أن تكون طبخت ووضعت تحت ذلك الكرسي وبقيت على حرارتها كل تلك المدة . فأمثال هذه الحكاية يعدها بعض من ثبتت روايتها عنده من الخوارق ، ويعدها بعضهم من الشعوذة والحيل التي اكتشف مثلها وهو موضوع الحكاية الثانية : حدثني شيخ من كبار شيوخ الطريق والمناصب العلمية بواقعة وقعت لوالده - وكان معتقدا محترما - مع رجل غريب جاء مدينتهم وظهر على يديه عدة غرائب عدت من الكرامات ، وقال : ان والده أخذ هذا الرجل مرة وطاف به في ضواحي البلد مدة طويلة انتهوا في آخرها إلى المقبرة التي دفن فيها أجدادهم فزاروا قبورهم واستراحوا هنالك وشكوا ما عرض لهم من الجوع بطول المشي ، فأظهر والد محدثي للشيخ الغريب انه يمكنهم أن يستضيفوا أجداده السادة الكرام ، ثم نادى أحدهم واستجداه ودس