الشيخ محمد رشيد رضا

243

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التأنيث . قال تعالى لنوح عليه السّلام لما سأل ربه ان ينجي ولده من الطوفان ( فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) وقال لخاتم رسله عليه الصلاة والسّلام ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) وقال الفخر الرازي ما معناه : ان الرسل أرادوا انه لم يكن لهم من حقيقة حال أممهم الا الظن الذي هو ظاهر حالهم لا العلم القطعي الذي يتوقف على معرفة الظاهر والباطن بدليل ما ورد في الحديث من الحكم بالظاهر ( قال ) « فالأنبياء قالوا : لا علم لنا البتة بأحوالهم انما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن ، والظن كان معتبرا في الدنيا لان الاحكام في الدنيا كانت مبنية على الظن ، وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن لان الاحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور . فلهذا السبب قالوا ( لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ) ولم يذكروا البتة ما معهم من الظن لأن الظن لا عبرة به في القيامة . اه ونقول : ان هذا رأي ضعيف وان بني على اصطلاح أهل الكلام والأصول في تفسير الظن والعلم ، والصواب ما بيناه قبله . وذلك ان الرسل يعلمون كثيرا من الحقائق علما يقينيا ، كاستكبار المجرمين عن إجابة دعوتهم واصرارهم على كفرهم . ومن علمهم بذلك ما شهد به التنزيل إذ أخبرهم اللّه أن أولئك المعاندين لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ، وانه قد ختم على قلوبهم وحق القول عليهم ، ومنهم من يكاشف النبي بحالهم ويمثلون له في النار ، كما كان يعلم أن بعض المؤمنين صادقون في ايمانهم وبشرهم بالجنة ، وأن بعضهم ضعفاء الايمان ولكن إيمانهم صحيح مقبول عند اللّه تعالى والعلم بالظواهر يقبل في شهادتهم على الجاحدين إذ لا عبرة بالايمان في الباطن مع الجحود في الظاهر بل هو أشد الكفر . وقد أخبرنا اللّه تعالى انهم يشهدون على أممهم ، فلو كان كل ما يعرفون من أحوال أممهم ظنا لا عبرة به في القيامة ، لما كان لشهادتهم فائدة ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) ذكر اللّه سؤال الرسل وجوابهم بالاجمال ثم بين بالتفصيل سؤال واحد منهم عن التبليغ وجوابه عن السؤال لإقامة الحجة على من يدعون اتباعه وهم الذين حاجتهم