الشيخ محمد رشيد رضا

237

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أنفسهم الخاصة ، وان يمنعهم نظرهم إلى ما بينهما من التفاوت في الأحوال الدينية والأدبية التي أشرنا إليها آنفا من قبول شهادتهم على أنفسهم ، مع عدم ثقتهم بتدينهم وعدالتهم ( رابعها ) تأثير عزة السلطان وعهد الفتح الذي كانت الاحكام فيه أشبه بما يسمونه الآن بالاحكام العسكرية . واعتبر ذلك بأحكام دول الإفرنج في أيام الحرب ، بل في المستعمرات التي طال عليها عهد الفتح أو ما يشبه الفتح ، يتبين لك ان أشد أحكام فقهاء المسلمين وحكامهم على غيرهم هي أقرب إلى العدل والرحمة من أحكام أرقى أمم المدنية من دونهم وقد علم من حال البشر ان الغالب قلما يرى شيئا من فضائل المغلوب وان كثرت ، فكيف يرجى إن يرى قليلها الضئيل الخفي ؟ والجماعات الكبيرة والصغيرة كالافراد في نظر كل إلى نفسه وإلى أبناء جنسه بعين الرضا والى مخالفه بعين السخط . مثال ذلك ان امرأة من فضليات نساء سويسرة دينا وأدبا وعلما راقبت أحوال الأستاذ الامام وسيرته مدة طويلة إذ كان يختلف إلى مدرسة ( جنيف ) لتلقي آداب اللغة الفرنسية ، وكلمته مرارا في مسائل من علم الاخلاق والتربية - وكانت بارعة ومصنفة فيهما - فأعجبها رأيه ، كما أعجبها فضله وهديه ، ثم قالت له بعد ذلك : إنني لم أكن أظن قبل ان عرفتك ان القداسة توجد في غير المسيحيين فمن تأمل ما ذكر تجلت له الأسباب المعنوية والاجتماعية التي صدت الحكام والفقهاء عن قبول شهادة غير المسلم على المسلم ، وتعجب من سعة أحكام القرآن ، التي يتوهم الجاهلون انها ضد ما هي عليه من الاطلاق وموافقة كل زمان ومكان ، فتراهم ينسبون إلى القرآن كل ما ينكرونه على المسلمين من آرائهم وأعمالهم وأحكامهم بالحق أو بالباطل ، ولو كان المسلمون عاملين بالقرآن كما يجب لما أنكر عليهم أحد ، بل لا تبعهم الناس في هديهم ، كما اتبعوا سلفهم من قبلهم ، بل لكانوا أشد اتباعا لهم ، بما يظهر لهم من موافقة هدايته لهذا الزمان كغيره ، وكونها أرقى من كل ما وصل اليه البشر من نظام وأحكام ، وهذا من أجل معجزاته التي تتجدد بتجدد الأزمان .