الشيخ محمد رشيد رضا
230
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللفظ ان المراد به الرجال المؤمنون لأنهم المخاطبون ، وهو الذي عليه الجماهير ، ويحتمل ان يكون هذا الوصف لأجل بيان تقديم صنف الرجال في الشهادة على ما يقابله من شهادة الصنفين ، وان الإضافة فيه روعي فيها الواقع أو الغالب بقرينة وصف المقابل بقوله ( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) إذ لم يقل من شهدائكم أو من رجالكم ونسائكم ثم بقرينة اطلاق الامر بالاشهاد على الدين في الآية نفسها فلقائل ان يقول لو أراد اللّه تعالى ان يبين لنا انه لا يجوز لنا ان نشهد في الاعمال المالية غير المؤمنين لجاء في كل نص من تلك النصوص بما يدل على ذلك وان تقاربت على حد قوله في الأمور العامة ( 4 : 82 وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) وانما يدل مجموع الآيات على أن الأصل أو الكمال في الاشهاد أن يكون الشهود من عدول المؤمنين للثقة بشهادتهم ، والاحتراز من الكذب والزور والخيانة التي يكثر وقوعها ممن لا ثقة بايمانهم وعدالتهم ، وان يلتزم هذا هذا الأصل في الاشهاد على الأمور الخاصة بنساء المسلمين وبيوتهم إذ لا يحتاج فيها إلى غيرهم ، وليس من شأن سواهم ان يعرفها ، ولوجوب الاحتياط فيها ، ولذلك قال في آية الطلاق ( ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) وورود نص القرآن فيمن يقذف امرأة بأن يجلد ثمانين جلدة وأن لا تقبل له شهادة أبدا وبناء على هذا يقال في آية المائدة ان اللّه تعالى قدم اشهاد عدول المؤمنين على الوصية لأنه الأصل الذي يحصل به المقصود على الوجه الكامل ، وأجاز اشهاد غيرهم في الحال التي لا يتيسر فيها ذلك ، وان الشرط في قوله « إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ » جاء لبيان هذه الحال فمفهومه غير مراد ، كقوله تعالى ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ) ومن يرى رأي الحنفية في عدم الاحتجاج بمفهوم الشرط ومفهوم اللقب يمكنه أن يرجح هذا القول أي ترجيح ، والكلام فيما تدل عليه آيات القرآن ، دون ما يدعى فيه غير ذلك من قياس أو إجماع فقهاء ودونك ما ورد في ذلك عن علماء السلف وأئمة الفقه كما لخصه الحافظ ابن حجر في شرح البخاري - ونقله الشوكاني عنه في ( نيل الأوطار ) في شرح حديث