الشيخ محمد رشيد رضا
219
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) هذا ما ورد في سبب نزول هذه الآيات وتفسير بعضها من قوي وضعيف وأما وجه اتصالها بما قبلها مباشرة فقد قال الرازي فيه : انه تعالى لما أمر بحفظ النفس في قوله ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) أمر بحفظ المال في قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ) اه وهذا قول غير ظاهر بل لا يصح على المعنى المعروف عند العلماء لحفظ النفس والمال إلا أن يحمل الكلام على لازم معناه . وأظهر منه ان يقال إنه تعالى لما ذكرنا في آخر الآية السابقة بأن مرجعنا اليه بعد الموت وانه يحاسبنا ويجازينا ناسب ان يرشدنا في إثر ذلك إلى الوصية قبل الموت وإلى العناية بالاشهاد عليها لئلا تضيع واما مفرداتها التي يحسن التذكير بمعناها قبل تفسير النظم الكريم فمنها ( الشهادة ) وهي كالشهود حضور الشيء مع مشاهدته بالبصر أو البصيرة أو مطلقا - كما قال الراغب - قال : لكن الشهود بالحضور المجرد أولى ، والشهادة مع المشاهدة أولى . . . والشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر . . . و « شهدت » يقال على ضربين أحدهما جار مجرى العلم وبلفظه تقام الشهادة ويقال « أشهد بكذا » ولا يرضى من الشاهد أن يقول « أعلم » بل يحتاج أن يقول « أشهد » والثاني يجري مجرى القسم فيقول « أشهد باللّه أن زيدا منطلق » فيكون قسما ، ومنهم من يقول : ان قال « أشهد » ولم يقل « باللّه » يكون قسما ، ويجرى « علمت » مجراه في القسم فيجاب بجواب القسم ، نحو قول الشاعر * ولقد علمت لتأتينّ منيتي * اه ملخصا . وقد ترد بمعنى الاقرار بالشيء ( والبين ) أمر اعتباري يفيد صلة أحد الشيئين بالآخر أو الأشياء من زمان أو مكان أو حال أو عمل ، وقالوا إنه يطلق على الوصل والفرقة ، ومن الثاني قولهم « ذات البين » للعداوة والبغضاء ، قال تعالى ( وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ) أي ما بينكم من عداوة أو فساد ، وهو أمر معنوي متصل بين الافراد . ومنها ( ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) أي سافرتم وتقدم في سورة النساء . ومنها ( تَحْبِسُونَهُما ) وهو من الحبس بمعنى امساك الشيء ومنعه من الانبعاث . والحبس مصنع الماء التي يمنع فيه من الجريان . ومنها ( عُثِرَ ) وهو من العثور على الشيء بمعنى الاطلاع عليه