الشيخ محمد رشيد رضا
204
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
شريعة إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما ابتدعه المسلمون مما يضاهي ذلك أما معنى الجملة فهو ان اللّه تعالى لم يشرع لهم تحريم البحائر والسوائب واخواتهما ، أي لم يجعله من أحكام الدين وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بزعمهم أن هذه الأشياء محرمة سواء أسندوا تحريمها إلى اللّه تعالى ابتداء ، أو ادعاء على سبيل الاستدلال - كما حكى عنهم بقوله ( لو شاء الله ما أشركنصا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء ) أي ولكنه شاء ذلك منا ففعلناه فهو راض به - أم لم يسندوه اليه . أما كون اسناد تحريمه اليه بالتصريح افتراء عليه فظاهر بين ، وأما اسناده اليه ادعاء واستدلالا بالمشيئة فهو افتراء أيضا لان دليله باطل ، فان اللّه تعالى لم يمنع الكفار من الكفر والفساق من الفسق ولا أكرههم عليهما بمحض المشيئة والقدرة ، بل جعل لهم اختيار الترجيح في أعمالهم ولم يجعلهم مجبورين عليها ، فعدم اجبارهم على الترك أو الفعل لا يدل على رضائه تعالى بما اختاروه لأنفسهم من كفر وفسق ، وأما كونه افتراء عليه في حال السكوت عن اسناده اليه ، فوجهه أن التحريم والتحليل من شأن رب الناس وإلههم سبحانه فليس لأحد من خلقه ان يحرم عليهم شيئا الا باذنه والتبليغ عنه ، فمن تجرأ على ذلك كان مدعيا بفعله هذا إما الربوبية واما الإذن من الرب تعالى ، وكلاهما افتراء ، والفعل فيه أبلغ من القول وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ أنهم يفترون على اللّه الكذب بتحريم ما حرموا على أنفسهم ، وان ذلك من أعمال الكفر به ، بل يظنون أنهم يتقربون به اليه ولو بالواسطة ، لأن آلهتهم التي يسيبون باسمها السوائب ويتركون لها ما حرموه على أنفسهم ، ليست بزعمهم الا وسائط بينهم وبين اللّه تعالى ، تشفع لهم عنده ، وتقربهم اليه زلفى . وهكذا شأن كل مبتدع في الدين بتحريم طعام أو غيره ، وتسييب عجل للسيد البدوي أو سواه ، وسن ورد أو حزب يضاهي به المشروع من شعائر دينه ، أو غير ذلك من العبادات التي لم تؤثر عن الشارع ، يزعم أنه جاء بما يتقرب به للّه تعالى وينال به رضاه عز وجل ، والحق أن اللّه تعالى لا يعبد الا بما شرعه على لسان رسوله ( ص ) فلا عبادة ولا تحريم الا بنص عام أو خاص ، وليس لأحد ان يزيد أو ينقص برأي ولا قياس ، ولذلك قال عز وجل