الشيخ محمد رشيد رضا

201

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أن ينظر أولو الامر ويتشاورا فيه من حيث تصحيح النقل ، ومن حيث طريق الدلالة على الحكم ، فإذا ظهر لهم ما يقتضي إلحاقه بأحد الاقسام السابقة ألحقوه به فكان له حكمه ، والا كان كالمسكوت عنه الرابع - ما ورد فيه نص من الكتاب أو السنة غير وارد مورد التكليف كالأحاديث المتعلقة بالعادات من الاكل والشرب والطب ونحو ذلك ، فالأولى والأفضل للمسلم أن يعمل بها ما لم يمنع من ذلك مانع من الشرع أو المصلحة والمنفعة العامة أو الخاصة ، لأن المبالغة في الاتباع حتى في العادات مما يقوي الدين ، ويمكن الرابطة والوحدة بين المسلمين ، ولا ينبغي لحكام المسلمين في مثل هذا ان يجبروا أحدا على فعله ولا على تركه ، وانما يحسن ان يكونوا قدوة صالحة في مثله الخامس - ما سكت عنه الشارع فلم يرد عنه فيه ما يقتضي فعلا ولا تركا فهو الذي عفا اللّه تعالى عنه رحمة منه وتخفيفا على عباده ، فليس لأحد من عباد اللّه تعالى أن يكلف عبدا من عبيده تعالى فعل شيء أو ترك شيء بغير إذن منه سبحانه ، وإن ما أمرنا اللّه تعالى به من طاعة أولي الامر منا خاص بأمر الدنيا ومصالحها ومشروط فيه أن لا يكون في معصية اللّه تعالى ، كما قال الرسول ( ص ) فيما رواه الشيخان في الصحيحين وأبو داود والنسائي من حديث علي كرم اللّه وجهه « لا طاعة لاحد في معصية اللّه انما الطاعة في المعروف » وأما أمر الدين فقد تم وكمل ، وهو تعالى شارع الدين كما قال ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) وكما قال ( ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها ) والرسول ( ص ) هو مبلغ الدين كما قال تعالى ( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ) ومبينه كما قال ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) فليس لأولي الامر من المسلمين سلطان على أحد في أمر الدين المحض بزيادة على مدلول النصوص ولا نقصان منها ، ومن ادعى ذلك أو ادعي له فقد جعل نفسه أو جعل شريكا للّه تعالى أو اتخذ ربا من دونه ( أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) وقد مر تفصيل القول في كل مسألة من هذه المسائل حتى أن فيما أثبتناه هنا تكرارا وإعادة لبعض ما تقدم ، « وفي الإعادة إفادة » كما قيل ، ولا سيما إذا « تفسير القرآن الحكيم » « 26 » « الجزء السابع »