الشيخ محمد رشيد رضا

197

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وإشارة إلى بعض مسائلها ، منه ان تحريرها لا يمكن الا بمصنف خاص . ومنه ان الرأي الغالب على الأمم في هذا العصر ان المصلحة في الخروج على الملوك المستبدين الجائرين ، كما فعلت الأمة العثمانية إذ كونت قوة خرجت بها على سلطانها عبد الحميد فسلبت السلطة منه وخلعته بفتوى من شيخ الاسلام فيها . ومن دقق النظر في الأمثلة التي أوردها الشاطبي لمسألة المصالح المرسلة تبين له أن بعضها تدل عليه النصوص أو السنة العملية ، ومنها ما يدل عليه القياس . فمن الأول كتابة القرآن في مصحف يجمعه كله . فان تسمية اللّه تعالى إياه كتابا يدل على وجوب كتابته ، واتخاذ النبي ( ص ) الكتاب له يكتبون بأمره كل ما نزل في وقته يدل على ذلك . وسبب عدم جمع النبي ( ص ) له في المصحف ظاهر لا يحتاج إلى إطالة الفكرة ، وهو احتمال المزيد في كل سورة ما دام حيا . ولا يمكن أن يتصور أحد ولا ان يجد شبهة على كون كتابته في صحف متفرقة هو مطلوب الشارع . وانما تلبث أبو بكر ( رض ) في الامر أولا على عادة أهل الروية في الأمور العظيمة ، وناهيك بأوائل الاعمال التي تعرض على أصحاب المناصب العليا في مناصبهم . ومن الثاني حد السكر قيل إنه قياس على القذف ، وقيل إنه تعزير لا يجب التزام العدد فيه والحق الجلي الظاهر أن مسائل المعاملات التي يرجع فيها إلى الحكام من قضائية وسياسية وحربية ترجع كلها إلى الأصل الذي بينه حديث « لا ضرر ولا ضرار » أي رفع الضرر الفردي والمشترك ، ومنه أخذت قاعدة دفع المفاسد وحفظ المصالح ، مع مراعاة ما علم من نصوص الشارع ومقاصده ، وأمثلة هذا في أعمال الخلفاء الراشدين المالية والإدارية والحربية كثيرة جدا ، على أن جماهير الفقهاء يصرحون دائما بارجاع جميع الأحكام إلى القاعدة المذكورة آنفا ، فقواعد العز بن عبد السّلام الشافعي المشهود له بالاجتهاد المطلق أكثرها يدور على هذه القاعدة . وانما فر أكثر علماء الأمة من تقرير هذا الأصل تقريرا صريحا مع اعتبارهم كلهم له - كما قال القرافي - خوفا من اتخاذ أئمة الجور إياه حجة لاتباع أهوائهم وارضاء استبدادهم في أموال الناس ودمائهم ، فرأوا ان يتقوا ذلك بارجاع جميع الأحكام إلى النصوص ولو بضرب من الأقيسة الخفية ، فجعلوا مسألة المصالح المرسلة من أدق