الشيخ محمد رشيد رضا
194
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما حرره الطوفي في مسألة المصالح ( أقول ) لم أر في كلام علماء المشارقة من أطنب في بحث المصالح مثل الامام نجم الدين الطوفي الحنبلي المتوفى سنة 716 - ولا في كلام علماء المغاربة مثل العلامة أبي إسحاق إبراهيم الشاطبي الأندلسي المتوفى 790 أما الطوفي فإنه وفي الموضوع حقه في شرحه لحديث أبي سعيد الخدري في الأربعين النووية « لا ضرر ولا ضرار » ( رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما مسندا ومالك مرسلا وحسنوه ) وقد قال هو وغيره انه يقتضي رعاية المصالح إثباتا ونفيا ، والمفاسد نفيا . ثم استدل على المسألة بعدة أدلة من الكتاب والسنة تفصيلية وإجمالية ، وباجماع ما عدا الحامدين من الظاهرية ، وجعل مدار تعليل الأحكام الشرعية على هذه المسألة ، ودعم ذلك بالاستدلال عليها بالنظر العقلي ، ولم يكتف بهذا حتى جعل رعاية المصلحة مقدمة على النص والاجماع عند التعارض فقال : وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما ، لا بطريق الافتيات عليهما والتعطيل لهما . وهذا الذي قرره الطوفي في رعاية المصلحة هو أدق وأوسع من القول بالمصالح المرسلة ، وأدلته أقوى ، وقد صرح هو بذلك فقال : « واعلم أن هذه الطريقة التي قررناها مستفيدين لها من الحديث المذكور ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب اليه مالك ، بل هي أبلغ من ذلك . وهي التعويل على النصوص والاجماع في العبادات والمقدرات « 1 » وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الاحكام » اه ثم قال بعد بيان ذلك : « وانما اعتبرنا المصلحة في المعاملات ونحوها ، دون العبادات وشبهها ، لأن العبادات حق للشارع خاص به ، ولا يمكن معرفة حقه كمّا وكيفا وزمانا ومكانا الا من جهته ، فيأتي به العبد على ما رسم له ، ولأن غلام أحدنا لا يعد مطيعا خادما له الا إذا امتثل ما رسم سيده وفعل ما يعلم أنه يرضيه ، فكذلك هاهنا . ولهذا لما تعبدت الفلاسفة بعقولهم ورفضوا الشرائع اسخطوا اللّه عز وجل وضلوا وأضلوا . وهذا
--> ( 1 ) المراد بالمقدرات ما قدره النص بقدر معين كالحدود والكفارات