الشيخ محمد رشيد رضا
188
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
القياس فلا يكون الحديث حجة لاثباته ، واجتهاد الرأي كما يكون باستخراج الدليل من الكتاب والسنة يكون بالتمسك بالبراءة الأصلية ، أو باصالة الإباحة في الأشياء أو الحظر على اختلاف الأقوال في ذلك ، أو التمسك بالمصالح ، أو التمسك بالاحتياط « وعلى تسليم دخول القياس في اجتهاد الرأي فليس المراد كل قياس بل المراد القياسات التي يسوغ العمل بها والرجوع إليها ، كالقياس الذي علته منصوصة والقياس الذي قطع فيه بنفي الفارق في الدليل الذي يدل على الاخذ بتلك القياسات - لا القياسات المبنية على تلك المسالك التي ليس فيها الا مجرد الخيالات المختلة والشبه الباطلة « وأيضا فعلى التسليم لا دلالة للحديث الا على العمل بالقياس في أيام النبوة لان الشريعة إذ ذاك لم تكمل فيمكن عدم وجدان الدليل في الكتاب والسنة وأما بعد أيام النبوة فقد كمل الشرع لقوله ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ولا معنى للاكمال الا وفاء النصوص بما يحتاج اليه أهل الشرع إما بالنص على كل فرد أو باندراج ما يحتاج اليه تحت العمومات الشاملة * ومما يؤيد ذلك قوله تعالى ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) وقوله ( وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) « واستدلوا أيضا بما ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من القياسات كقوله « أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزى عنه - قالت نعم قال - فدين اللّه أحق أن يقضى » وقوله لرجل سأله فقال أيقضي أحدنا شهوته ويؤجر عليها ؟ فقال « أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ - قال نعم ، قال - فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر » وقال لمن أنكر ولده الذي جاءت به امرأته أسود « هل لك من إبل ؟ - قال نعم ، قال - فما ألوانها - قال حمر ، قال فهل فيها من أورق ؟ - قال نعم - قال فمن أين ؟ - قال لعله نزعه عرق ، قال - وهذا لعله نزعه عرق » وقال لعمر وقد قبل امرأته وهو صائم « أرأيت لو تمضمضت بماء » وقال « يحزم من الرضاع ما يحرم من النسب » وهذه الأحاديث ثابتة في دواوين الاسلام . وقد وقع منه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قياسات كثيرة حتى صنف الناصح الحنبلي جزأ في أقيسته صلّى اللّه