الشيخ محمد رشيد رضا

175

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عنه من اليهود هل عذبوا أو نجوا ، حتى بين له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذبين ، وهذا هو الحق ، لأنه سبحانه قال عن الساكتين ( وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً ) فأخبر أنهم أنكروا فعلهم وغضبوا عليهم ، وان لم يواجهوهم بالنهي فقد واجههم به من أدى الواجب عنهم ، فان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية ، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم ، وأيضا فإنه سبحانه انما عذب الذين نسوا ما ذكروا به وعتوا عما نهوا عنه ، وهذا لا يتناول الساكتين قطعا ، فلما بين عكرمة لابن عباس انهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كساه برده وفرح به « وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة ما تقولون في ( إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) - السورة ؟ قالوا أمر اللّه نبيه إذا فتح عليه ان يستغفره ، فقال لابن عباس ما تقول أنت ؟ قال : هو أجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اعلمه إياه . فقال ما أعلم منها غير ما تعلم . وهذا من أدق الفهم وألطفه ولا يدركه كل أحد ، فإنه سبحانه لم يعلق الاستغفار بعلمه « 1 » بل علقه بما يحدثه هو سبحانه من نعمة فتحه على رسوله ودخول الناس في دينه ، وهذا ليس بسبب للاستغفار ، فعلم أن سبب الاستغفار غيره ، وهو حضور الاجل الذي من تمام نعمة اللّه على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه « 2 » ليلقى ربه طاهرا مطهرا من كل ذنب ، فيقدم عليه مسرورا راضيا مرضيا عنه ويدل عليه ( أيضا ) فسبح بحمد ربك واستغفره وهو صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يسبح بحمده دائما ، فعلم أن المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول الناس في الدين أمر أكثر من ذلك المتقدم . وذلك مقدمة بين يدي انتقاله إلى الرفيق الاعلى ، وانه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ترقيه إلى ذلك المقام بقية فأمره بتوفيتها ، ويدل عليه أيضا انه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الاعمال فشرعها في خاتمة الحج وقيام الليل ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا . وشرع للمتوضئ بعد كمال وضوئه أن يقول : اللهم اجعلني

--> ( 1 ) كذا في الأصل والظاهر أنه بعمله ، أي عمل الرسول ( ص ) ( 2 ) الضمير في يديه عائد إلى الاجل وهو الذي يربط الصلة بالموصول