الشيخ محمد رشيد رضا

15

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

رجعتم إلى أرضكم انتقلتم عن دينكم » فقالوا لن ننقلب عن ديننا . فأنزل اللّه ذلك من قولهم ( وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ) وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة وكان جعفر لحق بالحبشة هو وأربعون معه من قريش وخمسون من الأشعريين منهم أربعة من عك أكبرهم أبو عامر الأشعري وأصغرهم عامر . فذكر لنا أن قريشا بعثوا في طلبهم عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد ، فأتوا النجاشي فقالوا ان هؤلاء قد أفسدوا دين قومهم فأرسل إليهم فجاءوا فسألهم ، فقالوا : بعث اللّه فينا نبيا كما بعث في الأمم قبلنا يدعونا إلى اللّه وحده ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر ، ويأمرنا بالصلة وينهانا عن القطيعة ، ويأمرنا بالوفاء وينهانا عن النكث ؛ وان قومنا بغوا علينا وأخرجونا حين صدقناه وآمنا به ، فلم نجد أحدا نلجأ اليه غيرك . فقال معروفا . فقال عمرو وصاحبه انهم يقولون في عيسى غير الذي تقول . قال : وما تقولون في عيسى ؟ قالوا : نشهد انه عبد اللّه ورسوله وكلمته وروحه ولدته عذراء بتول . قال : ما أخطأتم . ثم قال لعمرو وصاحبه : لولا أنكما أقلتما في جواري لفعلت بكما « 1 » وذكر لنا أن جعفر وأصحابه إذ اقبلوا جاء أولئك معهم فآمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . قال قائل : لو قد رجعوا إلى ارضهم لحقوا بدينهم . فحدثنا انه قدم مع جعفر سبعون منهم فلما قرأ عليهم نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ( القرآن ) فاضت أعينهم وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : بعث ( النجاشي ) إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اثنا عشر رجلا سبعة قسيسين وخمسة رهبانا ينظرون اليه ويسألونه . فلما لقوه وقرأ عليهم ما انزل اللّه بكوا وآمنوا . وانزل اللّه فيهم ( وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ) الآية واخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة ، فلما بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاصي في رهط منهم ذكروا انهم

--> ( 1 ) أي لعاقبتكما