الشيخ محمد رشيد رضا
154
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالقياس في إبطال القياس ، ومعاذ اللّه من هذا ، لكن أريناكم أن أصلكم الذي أتيتموه من تصحيح القياس يشهد بفساد قياساتكم ، ولا قول أظهر باطلا من قول أكذب نفسه ، وقد نص اللّه تبارك وتعالى على هذا فقال ( وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ؟ ) فليس هذا تصحيحا لقولهم إنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، ولكن إلزاما لهم ما يفسد به قولهم . ولسنا في ذلك كمن ذكرتم ممن يحتج في إبطال حجة العقل بحجة العقل ، لان فاعل ذلك مصحح القضية العقلية التي يحتج بها ، فظهر تناقضه من قرب ، ولا حجة له غيرها ، فقد ظهر بطلان قوله . وأما نحن فلم نحتج قط في إبطال القياس بقياس نصححه ، ولكنا نبطل القياس بالنصوص وبراهين العقل . ثم نزيد بيانا في فساده منه نفسه بأن أرى تناقضه جملة فقط . والقياس الذي نعارض به قياسكم نحن نقر بفساده وفساد قياسكم الذي هو مثله أو أضعف منه ، كما نحتج على أهل كل مقالة من معتزلة ورافضة ومرجئة وخوارج ويهود ونصارى ودهرية من أقوالهم التي يشهدون بصحتها ، فنريهم فسادها وتناقضها ، وأنتم تحتجون عليهم معنا بذلك . ولسنا نحن ولا أنتم ممن يقرّ بتلك الأقوال التي نحتج عليهم منها ، بل هي عندنا في غاية البطلان والفساد ، كاحتجاجنا على اليهود والنصارى من كتبهم التي بأيديهم ، ونحن لا نصححها ، بل نقول إنها محرفة مبدّلة ، لكن لنريهم تناقض أصولهم وفروعهم ، لا سيما وجميع أصحاب القياس مختلفون في قياساتهم ، لا تكاد توجد مسألة الا وكل طائفة منهم تأتي بقياس تدعي صحته تعارض به قياس الأخرى . وهم كلهم مقرون مجمعون على أنه ليس كل قياس صحيحا ، ولا كل