الشيخ محمد رشيد رضا
13
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الأمم يوم القيامة وتكون حجة على المشركين والمبطلين بكونها مظهرا لدين اللّه الحق الذي جحدوه أو ضلوا عنه . وقد حققنا القول في بيان معنى الشهداء في تفسير سورة النساء والسورتين قبلها ؛ فليراجع تفسير ( 4 : 68 وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ) في ( ص 245 ج 5 تفسير ) * * * وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ هذا تتمة قولهم ، والمعنى أي مانع يمنعنا من الايمان باللّه وحده وبما جاءنا من الحق على لسان هذا الرسول ، بعد ان ظهر لنا انه البارقليط روح الحق الذي بشر به المسيح ، والحال أننا نطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ، الذين صلحت أنفسهم بالعقائد الصحيحة ، والفضائل الكاملة ، والعبادات الخالصة ، والمعاملات المستقيمة ، وهم اتباع هذا النبي الكريم الذين رأينا أثر صلاحهم بأعيننا بعد ما كان من فسادهم في جاهليتهم ما كان ؟ أي لا مانع يمنعنا من هذا الايمان بعد تحقيق موجبه ، وقيام سببه . فسروا القوم الصالحين بأصحاب الرسول ، وهو متعين بالنسبة إلى من آمن من نصارى الحبشة . وكل من سار على طريقهم يعد منهم ويحشر معهم . * * * فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ أي فجزاهم اللّه تعالى وأعطاهم من الثواب بقولهم الذي عبروا به عن إيمانهم وإخلاصهم بساتين وحدائق في دار النعيم تجري من تحت أشجارها الأنهار يخلدون فيها ، فلا هي تسلب منهم ولا هم يرغبون عنها ويتركونها . وذلك النوع من الثواب جزاء جميع المحسنين في سيرتهم وأعمالهم من أهل الايمان . وقد علم من الآيات الأخرى ان في تلك الجنات من الدور والقصور والنعيم الروحاني والرضوان الإلهي ما لا يمكن ان يعبر عنه الكلام ويحيط به الوصف في هذا العالم المخالف لذلك العالم في حقيقته وخواصه ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) وهاك ما ورد في أسباب نزول هذه الآيات عن أهل الأثر : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ) قال هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة