الشيخ محمد رشيد رضا
132
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فإنكم إن أظهر ذلك لكم تبيان بوحي وتنزيل ساءكم ، لان التنزيل بذلك إذا جاءكم فإنما يجيئكم بما فيه امتحانكم واختباركم ، إما بإيجاب عمل عليكم ولزوم فرض لكم ، وفي ذلك عليكم مشقة ولزوم مؤنة وكلفة ، وإما بتحريم ما لو لم يأته بتحريمه وحي كنتم من التقديم عليه في فسحة وسعة ، وإما بتحليل ما تعتقدون تحريمه وفي ذلك لكم مساءة ، لنقلكم عما كنتم ترونه حقا إلى ما كنتم ترونه باطلا . ولكنكم ان سألتم عنها بعد نزول القرآن بها ، وبعد ابتدائكم شأن أمرها في كتابي إلى رسولي إليكم ، بين عليكم ما أنزلته اليه من إتيان كتابي ، وتأويل تنزيلي ووحيي . « وذلك نظير الخبر الذي روي عن بعض أصحاب رسول اللّه ( ص ) الذي حدثنا به هنا دين السري قال حدثنا أبو معاوية عن داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني قال « ان اللّه تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحدّ حدودا فلا تعتدوها ، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » ثم روى ( ابن جرير ) مثل هذا المعنى عن عبيد بن عمير تفسير اللآية . وروى عن ابن عباس أنه قال : لا تسألوا عن أشياء ان نزل القرآن منها بتغليظ ساءكم ذلك ، ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء الا وجدتم تبيانه اه وظاهر كلامه ان الحديث موقوف على أبي ثعلبة وستعلم انه مرفوع وقال الحافظ ابن كثير في بيان هذا الوجه « أي لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها فلعله قد ينزل بسؤالكم تشديد أو تضييق . وقد ورد في الحديث « أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته » ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها بينت لكم حينئذ لاحتياجكم إليها ( عَفَا اللَّهُ عَنْها ) أي ما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه ، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها . وفي الصحيح عن رسول اللّه ( ص ) أنه قال « ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم » وفي الحديث الصحيح أيضا « ان اللّه تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحدّ حدودا فلا تعتدوها ، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها » أقول : أما حديث « ذروني ما تركتكم » وفي رواية بلفظ « دعوني » فهو في