الشيخ محمد رشيد رضا
120
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والمدنية في القديم والحديث - بله أمم البداوة - عن تأمين الناس في قطر من الأقطار وزمن معين من كل سنة بحيث لا يمكن ان يقع فيهما قتال ولا قتل ولا عدوان ، وكذلك جعل في أحكام الحج ومناسكه أعظم الفوائد والمنافع الروحية والجسدية ، والدينية والدنيوية ، كما علم مما مر آنفا بالاجمال ، ومما بيناه في غير هذا المكان من حكم الحج بالتفصيل ، وقد ثبتت هذه المنافع والفوائد التي عليها مدار قيام أمر الناس ثبوتا قطعيا بالمشاهدة والتجربة ، فدل ما ذكر على أن جعل البيت الحرام والشهر الحرام والهدي والقلائد قياما للناس لم يكن الا لحكمة بالغة صادرة عن علم بخفايا الأمور وغاياتها ، فكان دليلا على أنه سبحانه يعلم ما في السماوات وما في الأرض من أسباب الرزق ونظام الخلق وغير ذلك ، وانه عليم بكل شيء فلا تخفى عليه خافية . على أن آياته الدالة على علمه بما في السماوات والأرض وبغير ذلك أعم وأظهر في نظر العقل من جعله بعض الأمكنة والأزمنة سببا لدفع الشقاوة عن كثير من الناس وجلب السعادة والهناء لهم ، فان سننه تعالى في الفلك وسير الشمس والقمر وغيرهما بحسبان ، وفي عالم الجماد والنبات والحيوان ، لا يعتريها من الشبهات ما يعتري السنن المتعلقة بنوع الانسان ، ولكن الناس يغفلون عنها * * * ( 101 ) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 102 ) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 103 ) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * * * أرشدنا جل شأنه في الآية التي قبل هذه إلى بعض آيات علمه في خلقه وأمره ، وأرشدنا في هذه إلى العلم بأن العليم بكل شيء ، الذي ظهرت آيات علمه وحكمته في خلق السماوات والأرض ، كما ظهرت في جعل البيت الحرام قياما للناس - لا يمكن ان يترك الناس سدى ، كما أنه لم يخلقهم عبثا ، فلا يليق بحكمته وعدله أن يجعل الذين اجترحوا السيئات ، كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ولا ان يسوي بين الطيب