الشيخ محمد رشيد رضا
83
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الذي ينفخ كما قال ذو الرمة في إضرام النار فقلت له ارفعها إليك وأحيها * بروحك واجعلها لها فيئة قدرا والروح الذي يحيا به الانسان مأخوذ من اسم الريح ( وأصل الريح روح بالكسر فقلبت الواو ياء لتناسب الكسرة وجمعه أرواح ورياح وأصل هذه رواح بالكسر ) كما أن اسم النفس بسكون الفاء من النفس بفتحها ويجوز ان يراد بقوله تعالى « وَرُوحٌ مِنْهُ » الأمران معا أي انه خلق بنفخ الملك المعبر عنه بالروح وبروح القدس في أمه نفخا كان كالتلقيح الذي يحصل باقتران الزوجية ، وكان مؤيدا بهذا الروح مدة حياته ولذلك غلبت عليه الروحانية ، وظهرت آيات اللّه فيه زمن الطفولية وزمن الرجولية ، ( 5 : 113 إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ) فلما كان كذلك أطلق عليه أنه « روح » كأنه هو عين ذلك الملك الذي جعله اللّه سبب ولادته ، وأيده به مدة حياته ، كما يقال « رجل عدل » على سبيل المبالغة والمراد ذو عدل . وقال بعض المفسرين ان المراد بالروح هنا الرحمة كقوله تعالى في المؤمنين « وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ، ويقويه قوله تعالى فيه ( 19 : 20 وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ) ويمكن ادخال هذا المعنى في الوجه الأول لأنه من فروعه . والمعنى الجامع ان الروح ما به الحياة ، والحياة قسمان حسية ومعنوية . فالأولى ما به يشعر الانسان ويدرك ويتفكر ويتذكر ، والثانية ما به يكون رحيما حكيما فاضلا محبا محبوبا نافعا للخلق ، وقد سمى اللّه الوحي روحا فقال لخاتم رسله ( 42 : 52 وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) وقال ( 16 : 2 يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) وكلا المعنيين متحقق في عيسى عليه السّلام على وجه الكمال ، فلهذا جوزنا الوجهين في المسألة . وآية اللّه تعالى في خلق عيسى بكلمته ، وجعله بشرا سويا بما نفخ فيه من روحه ، كآيته في خلق آدم بكلمته وما نفخ فيه من روحه ، إذ كان خلق كل منهما بغير السنة العامة في خلق الناس من ذكر وأنثى ( 3 : 59 إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )