الشيخ محمد رشيد رضا
6
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يده أو ينتهي عن الظلم ، وأرجو أن لا يؤاخذه اللّه بما يحرك به الألم لسانه من غير روية وان لم يكن شرحا لظلامته ، ووسيلة للانتصاف من ظالمه ، وفي الحديث المرفوع « ان لصاحب الحق مقالا » رواه أحمد وغيره وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً اي كان السمع والعلم ولا يزالان من صفاته الثابتة فلا يفوته تعالى قول من أقوال من يجهر بالسوء ، ولا يعزب عن علمه السبب الباعث له عليه ، لأنه لا يخفى عليه شيء من أقوال العباد ولا من أفعالهم ولا نياتهم فيهما ، فمن كان معذورا في الجهر بالسوء الذي لا يحبه اللّه تعالى لعباده لضرره ومفسدته فيهم بسبب الظلم فإنه تعالى لا يؤاخذه ولا يعاقبه على جهره وربما أثابه على ما يقصد من رفع الضيم عن نفسه ، وارجاع الظالم إلى رشده ، وإراحة الناس من شره ، لأنه إذا لم يؤاخذ على ظلمه إياه يزداد ضراوة فيه واصرارا عليه ، الا أن يكون من كرام الناس واتقيائهم الذين لا يقع الظلم منهم الا هفوات * * * إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً لما بين تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول بغير عذر الظلم ، بين تعالى حكم إبداء الخير واخفائه سواء كان قولا أو عملا وحكم العفو عن السوء وعدم مؤاخذة فاعله به ، وهو أن فاعلي الخيرات جهرا أو سرا والعافين عن الناس الذين يسيئون إليهم يجزيهم سبحانه وتعالى من جنس عملهم ، فيعفو عن سيئاتهم ويجزل مثوبتهم ، وكان شأنه العفو وهو القدير الذي لا يعجزه الثواب الكثير على العمل القليل ، وإذا عفا فإنما يعفو عن قدرة كاملة على العقاب فصيغة المبالغة من القدرة ( وهي كلمة قدير ) هي التي تدل على إجزال المثوبة وعلى الترغيب في العفو مع القدرة على المؤاخذة ، والا كان وضعها في هذا الموضع غير متفق مع بلاغة القرآن . وإذا قال ملك أو أمير لبعض عبيده أو رجال دولته : إن تعمل كذا من الاعمال المرضية فان عندي مالا كثيرا ، أو بيدي أعلى الاوسمة والرتب ، فان أحدا لا يفهم من هذا القول انه يريد ان يجزيه على ذلك بدريهمات يرضخ بها له ، أو رتبة واطئة يوجهها اليه ، أو وسام من الدرجة الدنيا بحليه به ، بل يفهم من هذا كل من يعرف اللغة