الشيخ محمد رشيد رضا

68

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ومنه قوله تعالى ( 6 : 113 شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ ) وأطلق على الكتابة والرسالة لما يكون فيهما من التخصيص . ووحي اللّه إلى أنبيائه هو ما يلقيه إليهم من العلم الضروري الذي يخفيه عن غيرهم بعد ان يكون أعد أرواحهم لتلقيه بواسطة كالملك أو بغير واسطة . وعرفه الأستاذ الامام في رسالة التوحيد بأنه « عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل اللّه ، بواسطة أو بغير واسطة . والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت . ويفرق بينه وبين الالهام بأن الالهام وجدان تستيقنه النفس وتنساق إلى ما يطلب على غير شعور منها من أين أتى . وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور » ثم بين وجه امكانه ووقوعه في فصلين لم ينسج أحد على منوالهما بدأ اللّه تعالى بذكر نوح لأنه أقدم نبي مرسل ذكر في كتب القوم ( وقصة بعثته في سفر التكوين وهو السفر الأول من الاسفار الخامسة التي يسمونها التوراة ) وانما تنهض الحجة على الناس إذا كانت مقدماتها معروفة عندهم . ثم خص بعض النبيين الذين جاؤوا من بعد نوح بالذكر لشهرتهم وعلو مقامهم عند أهل الكتاب فقال وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ أي وكما أوحينا إلى إبراهيم ومن بعده . فأما إبراهيم عليه الصلاة والسّلام وعلى آله الكرام ، فمجمع على فضله ونبوته عند أهل الكتاب كلهم وعند العرب أيضا ، وكل أولئك الأنبياء الذين ذكروا بعده من ذريته . ويعقوب هو ابن إسحاق بن إبراهيم واشتهر بلقب ( إسرائيل ) فسائر أنبياء أهل الكتاب من ذريته ، ويسمون أنبياء بني إسرائيل ، وأما محمد خاتم النبيين والمرسلين ، صلوات اللّه عليه وعليهم أجمعين ، فهو من نسل أخيه الأكبر إسماعيل الذبيح عليه الصلاة والسّلام وأما الأسباط فجمع سبط وهو يطلق على ولد الولد . وأسباط بني إسرائيل اثنا عشر سبطا ، فكل نسل ولد من أولاد يعقوب العشرة وولدي ابنه يوسف وهما ( افرايم ومنسّى ) يسمى سبطا ولذلك قيل إن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في ولد إسماعيل . وأما أبناء يعقوب العشرة آباء الأسباط الأخرى فهم