الشيخ محمد رشيد رضا
490
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
رأفته ورحمته ، وقد كان داود عليه السّلام لعن الذين اعتدوا منهم في السبت أو العاصين المعتدين عامة ، والمعتدين في السبت خاصة . ثم لعنهم عيسى عليه السّلام وهو آخر الأنبياء المرسلين منهم . وانما كان سبب ذلك اللعن من اللّه ، الذي استمر هذا الاستمرار ، عصيانهم له عز وجل ، واعتداؤهم الممتد المستمر ، كما يدل عليه قوله تعالى « وَكانُوا يَعْتَدُونَ » * * * وقد بين جل ذلك العصيان ، وسبب استمرارهم على تعدي حدود اللّه واصرارهم عليه بقوله كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن منكر ما من المنكرات مهما اشتد قبحها وعظم ضررها ، وإنما النهي عن المنكر حفاظ الدين ، وسياج الآداب والفضائل ، فإذا ترك تجرأ الفساق على إظهار فسقهم وفجورهم ، ومتى صار الدهماء يرون المنكرات بأعينهم ، ويسمعونها بآذانهم . تزول وحشتها وقبحها من أنفسهم ، ثم يتجرأ الكثيرون أو الأكثرون على اقترافها . فالاخبار بهذا الشأن من شؤونهم ، اخبار بفشو المنكرات فيهم ، وانتشار مفاسدها بينهم ، لأن وجود العلة لا يقتضي وجود المعلول ، ولولا استمرار وقوع المنكرات ، لما صح ان يكون ترك التناهي شأنا من شؤون القوم ودأبا من دءوبهم . [ وقد بسطنا القول في مسألة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في تفسير ( 4 : 104 وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ) الآية فليراجع في جزء التفسير الرابع ( ص 25 - 45 ) وسنعود اليه إن شاء اللّه تعالى ] لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ هذا تأكيد قسميّ لذم ما كانوا يفعلونه مصرين عليه من اقتراف المنكرات والسكوت عليها والرضاء بها ، وكفى بذلك افسادا ذلك شأنهم ودأبهم الذي مردوا واصروا عليه ، بينه اللّه تعالى لرسوله وللمؤمنين عبرة لهم ، حتى لا يفعلوا فعلهم فيكونوا مثلهم ، ويحل بهم من لعنة اللّه وغضبه ما حل بهم . روى أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وغيرهم من حديث ابن مسعود قال : قال رسول اللّه ( ص ) « ان أول ما دخل النقص على بني إسرائيل انه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق اللّه ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك ان يكون أكيله وشريبه وقعيده . فلما فعلوا ذلك ضرب