الشيخ محمد رشيد رضا
481
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والجوائح ؛ وليس بظاهر هنا . وانما المتبادر أن المراد بما أجمل هنا هو ما جاء مفصلا في أوائل سورة الإسراء - التي تسمى سورة بني إسرائيل أيضا - من قوله تعالى ( 17 : 4 وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ : لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ - إلى قوله - 8 عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا ) الآية ، فالفساد مرتين هناك هو المشار اليه هنا بقوله تعالى فَعَمُوا وَصَمُّوا ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ أي فعموا عن آيات اللّه في كتبه الدالة على عقاب اللّه للأمم المفسدة الظالمة ، وعن سننه في خلقه المصدقة لها ، وصموا عن سماع المواعظ التي جاءهم بها الرسل ، وأنذروهم بها عقاب اللّه لمن نقض ميثاقه ، وخرج عن هداية دينه ، فاتبع هواه ، وظلم نفسه والناس ، فلما عموا وصموا وانهمكوا في الظلم والفساد ، سلط اللّه تعالى عليهم البابليين فجاسوا خلال الديار ، وأحرقوا المسجد الأقصى ونهبوا الأموال ، وسبوا الأمة وسلبوها الملك والاستقلال ، ثم رحمهم اللّه تعالى وتاب عليهم ، وأعاد إليهم ملكهم وعزهم ، ثم عموا وصموا مرة أخرى وعادوا إلى ظلمهم وافسادهم في الأرض ، وقتل الأنبياء بغير حق ، فسلط اللّه تعالى عليهم الفرس ثم الروم ( الرومانيين ) فأزالوا ملكهم واستقلالهم . أما قوله تعالى « كَثِيرٌ مِنْهُمْ » فهو بدل من فاعل عموا وصموا ، أو هو الفاعل والواو علامة الجمع على لغة بعض العرب من الأزد التي يعبر النحاة بكلمة واحد من أهلها قال « اكلوني البراغيث » والمراد ان عمى البصيرة والختم على السمع لم يكن عاما مستغرقا لكل فرد من أفرادهم ، وانما كان هو الكثير الغالب عليهم . وتقدم قريبا في تفسير « وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ » بيان حكمة هذا التدقيق في القرآن بنسبة الفساد للكثير أو الأكثر في الأمة . وانما يعاقب اللّه الأمم بالذنوب إذا كثرت وشاعت فيها ، لان العبرة بالغالب ، والقليل النادر لا تأثير له في الصلاح أو الفساد العام ، ولذلك قال تعالى ( 8 : 25 وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) وهذا هو الواقع وعلته ظاهرة ، وحكمته باهرة وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ الان من الكيد لخاتم الرسل ، فاتباع الهوى قد ( تفسير القرآن ) ( 61 ) ( الجزء السادس )