الشيخ محمد رشيد رضا

468

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من الاحتمال - بأن كتمته ولو مؤقتا خوفا من الأذى بالقول أو الفعل أو بهما جميعا فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ أي فحسبك جرما انك ما بلغت الرسالة ولا قمت بما بعثت لأجله ، وهو تبليغ الناس ما أنزل إليهم من ربهم ( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ) وذهب الجمهور إلى أن معناه : وان لم تبلغ جميع ما انزل إليك من ربك بأن كتمت بعضه فكأنك لم تبلغ منه شيئا قط ، لان كتمان البعض ككتمان الجميع . فهو من قبيل قوله تعالى ( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) ويقويه قراءة نافع وابن عامر وابن أبي بكر « رسالاته » بالجمع فمعنى هذه القراءة إفادة استغراق النفي لكل مسألة من مسائل الوحي الذي كلف الرسول تبليغه ، لكن في الحكم لا في الواقع . فكأنه قال : وان لم تفعل كنت كأنك ما بلغت شيئا ما من مسائل الرسالة لأنها لا تتجزأ . وقد ضعف هذا الوجه الإمام الرازي وان كان رأي الجمهور ، لأنه يقتضي ان ترك تبليغ بعض المسائل ترك لتبليغ كل مسألة بالفعل ، وذلك خلاف الواقع ؛ أو في الحكم ، ولا يصح ان يجعل تارك صلاة واحدة كتارك جميع الصلوات . وانما المعنى على التشبيه من بعض الوجوه . ولا يعارض ما لا يتجزأ في الحكم كالايمان والكفر ، بما يتجزأ كالعبادات والمعاصي . وترك التبليغ لو جاز وقوعه كفر . ولهذا المعنى نظير يؤيده وهو حكم اللّه بأن من كذب بعض الرسل كان كمن كذبهم كلهم ، وذلك قوله تعالى ( 4 : 149 إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ : نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ . وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا 150 أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا ) بل ورد ما يؤيد الوجه الآخر أيضا ، وهو تشبيه قاتل النفس الواحدة بقاتل الناس جميعا ، وتقدمت الآية في ذلك . وأما معنى قراءة الآخرين « رسالته » بالافراد فهو نفي القيام بمنصب الرسالة . وقد جاء في القرآن ذكر تبليغ الرسالات بالجمع في قوله تعالى من سورة الأحزاب بعد قصة زيد وزينب ( 33 : 39 الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ) هكذا قرأ الجماعة كلهم « رِسالاتِ » بالجمع ، وانما قرىء بالافراد في الشواذ . وجاء في مواضع أخرى من سورة الأعراف وغيرها . والاستشهاد بآية