الشيخ محمد رشيد رضا
454
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عن لوازم هذا الاطلاق من مشابهة الناس ، وتفسير ابن عباس - امام مفسري السلف والخلف - للآية يدل على أنها ليست مما يجري فيه الخلاف بين الخلف والسلف في التأويل والتفويض . لان استعمال غل اليد في البخل وبسطها في الجود معروف في اللغة مألوف ، ومنه قوله تعالى ( 17 : 29 وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) ولا يقول أحد يفهم اللغة ان هذا من اخراج اللفظ عن ظاهره المسمى عندهم بالتأويل أما قوله تعالى غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا فهو دعاء عليهم يناسب جرمهم هذا ، وجزاء لهم بالطرد والابعاد من رحمة اللّه تعالى وعنايته الخاصة بعباده المؤمنين . قد جاء على طريقة الاستئناف البياني لأنه مما تستشرف له النفوس وتتساءل عنه بالفعل أو بالقوة . والمشهور من معنى « غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ » أمسكت أيديهم وانقبضت عن العطاء والانفاق في سبيل البر والخير ، وهو دعاء عليهم بالبخل ؛ وما زالوا أبخل الأمم فلا يكاد أحد منهم يبذل شيئا ، الا إذا كان يرى أن له من ورائه ربحا . وقد حسنت أحوالهم في هذا الزمان ، وارتقت معارفهم وحضارتهم في كثير من البلاد ، وتربوا في أمم من الإفرنج صار من تقاليدهم الاجتماعية بذل المال لمعاهد العلم والملاجىء والمستشفيات والجمعيات الخيرية ، وهم على كونهم أغنى هذه الأمم ومضطرون لمجاراتها لا يبذلون الا دون ما يبذل غيرهم من الإعانات الخيرية ، بل هم على شدة تكافلهم واستمساكهم بالعصبية الملية فيما بينهم ، قلما يساعد أغنياؤهم فقراءهم بالصدقة الخالصة لوجه اللّه تعالى وحبا في الخير ، بل يتجرون ويرابون بالإعانات ، فيعطون الفقراء مالا على أن يعملوا به في تجارة أو غيرها ، بشرط أن يردوه في مدة معينة مع ربا قليل في الغالب وقيل : إن المراد بغل الأيدي ربطها إلى الأعناق بالاغلال في الدنيا أو في النار أو فيهما . نقل عن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذا الغل : يغللون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم . وقال في تفسير اللعنة : عذبوا في في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار . حكاه عنه نظام الدين النيسابوري في تفسيره . وأورد واقعة بهذا المعنى حدثت في زمنه قال : ومما وقع في عصرنا من إعجاز القرآن ما حكي ان متغلبا من اليهود مسمى بسعد الدولة - وهو من أشقى الناس - كان سمع