الشيخ محمد رشيد رضا

446

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وسعة صدر ، ولا يدين بالنصرانية . فالأذان ذكر مؤثر لا تخفى محاسنه على من يعقل الدين ، ويؤمن باللّه العلي الكبير ، ولا على غيرهم من العقلاء . وقد روي في التفسير المأثور عن السدي أنه قال في تفسير الآية : كان رجل من النصارى في المدينة إذا سمع المنادي ينادي « أشهد ان محمدا رسول اللّه » قال : أحرق الكاذب . [ دعاء عليه بالحريق ] فدخلت خادمته ذات ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام ، فسقطت شرارة فأحرقت البيت فاحترق هو وأهله . ووجود النصارى في المدينة كان نادرا وأكثر هذا الاستهزاء كان يكون من اليهود كما يعلم من رد اللّه تعالى عليهم في هذه الآيات التالية : * * * قُلْ : يا أَهْلَ الْكِتابِ ! هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ، وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ؟ الاستفهام للانكار والتبكيت ، اي قل أيها الرسول مخاطبا ومحتجا على أهل الكتاب دون المشركين : هل تنقمون منا شيئا ، اي هل عندنا شيء تنكرونه وتعيبونه علينا وتكرهوننا لأجله لمضادتكم إيانا فيه ، الا ايماننا الصادق باللّه وتوحيده وتنزيهه واثبات صفات الكمال له ، وإيماننا بما أنزله الينا وبما انزله من قبل على رسله ؟ اي ما عندنا سوى ذلك وهو لا يعاب ولا ينقم ، بل يمدح صاحبه ويكرم ؛ - والا ان أكثركم فاسقون ، اي خارجون من حظيرة هذا الايمان الصحيح الكامل ، وليس لكم من الدين الا العصبية الجنسية ، والتقاليد الباطلة ؟ فلذلك تعيبون الحسن من غيركم ، وترضون القبيح من أنفسكم يقال نقم منه كذا ينقم ( كضرب يضرب ) إذا أنكره عليه بالقول والفعل وعابه به وكرهه لأجله . وهو من مادة النقمة وهي كراهة السخط ، والعقاب المرتب عليها . ويقال « نقم ينقم ( بوزن علم يعلم ) والمستعمل في القرآن الأول . روى ابن جرير وغيره عن ابن عباس قال : اتى رسول اللّه ( ص ) نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بن اخطب ورافع بن أبي رافع وعاري وزيد وخالد وازار بن أبي ازار وواسع ، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال « آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » فلما ذكر عيسى جحدوا