الشيخ محمد رشيد رضا

441

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لوم أوليائهم من اليهود لهم إذا هم قاتلوا مع المؤمنين . والأبلغ أن تكون للوصف المطلق ، اي انهم لتمكنهم في الدين ، ورسوخهم في الايمان ، لا يخافون لومة ما من افراد اللوم أو أنواعه ، من لائم ما كائنا من كان ، لأنهم لا يعملون العمل رغبة في جزاء أو ثناء من الناس ، ولا خوفا من مكروه يصيبهم منهم فيخافون لوم هذا أو ذاك ، وانما يعملون العمل لا حقاق الحق وإباطل الباطل ، وتقرير المعروف وإزالة المنكر ، ابتغاء مرضاة اللّه تعالى بتزكية أنفسهم وترقيتها . ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ اي ذلك الذي ذكر من الصفات الست فضل اللّه يعطيه من يشاء من عباد ، فيفضلون غيرهم به وبما يترتب عليه من الأعمال . وقد بينا مرارا ان مشيئته سبحانه لمثل هذا الفضل تجري بحسب سننه التي أقام بها أمر النظام في خلقه ، فمنهم الكسب والعمل النفسي والبدني ، ومنه سبحانه آلات الكسب والقوى البدنية والعقلية ، والتوفيق والهداية الخاصة واللطف والمعونة . وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فلا ينبغي للمؤمن ان يغفل عن فضله ومنته ؛ وما يقتضيه من شكره وعبادته . * * * ثم بين سبحانه من تجب موالاتهم ، بعد النهي عن تولي من تجب معاداتهم ، فقال إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا أي ليس لكم أيها المؤمنون ناصر ينصركم الا اللّه تعالى ورسوله وأنفسكم بعضكم أولياء بعض ، فهو نفي لنصر من يسارع مرضى القلوب في تولي الكفار من دون اللّه ، واثبات لنصر اللّه وولايته ، ولنصر من يقيم دينه من الرسول والمؤمنين الصادقين . ولما كان لقب « الَّذِينَ آمَنُوا » يشمل كل من أسلم في الظاهر وصف هؤلاء الأولياء بقوله الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ أي دون المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، والذين يأتون بصورة الصلاة دون روحها ومعناها ، فإذا قاموا إليها قاموا كسالى ، يراءون الناس ولا يذكرون اللّه الا قليلا . فالمؤمنون الذين يقومون بحق الولاية هم الذين يقيمون الصلاة إقامة كاملة ، بالآداب الظاهرة والمعاني الباطنة . والذين يعطون الزكاة مستحقيها ( تفسير القرآن ) ( 56 ) ( الجزء السادس )