الشيخ محمد رشيد رضا

419

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يرتقي في أطوار الحياة بالتدريج وعلى سنة الارتقاء ، فلا تصلح له شريعة واحدة في كل طور من أطوار حياته ، في جميع اقوامه وجماعاته ، وآتاكم من الشرائع والمناهج في الفهم والهداية في طور طفولية النوع وغلبة المادية عليه ما يصلح له - وفي طور تمييزه وغلبة الوجدانات النفسية عليه ما يصلح له - حتى إذا ما بلغ النوع سن الرشد ومستوى استقلال العقل ، بظهور ذلك في بعض الأقوام بالقوة وفي بعضها بالفعل ، ختم له الشرائع والمناهج بالشريعة المحمدية المبنية على أصل الاجتهاد ، وجعل امره في القضاء والسياسة والاجتماع ، شورى بين اولي الامر ، من أهل المكانة والعلم والرأي - « لِيَبْلُوَكُمْ » اي ليعاملكم بذلك معاملة المختبر لاستعدادكم « فِي ما آتاكُمْ » أي أعطاكم من الشرائع والمناهج ، فتظهر حكمته في تمييزكم على غيركم ، من أنواع الخلق في أرضكم ، وهو كونكم جامعين بين الحيوانية والملكية . يظهر مثال ما حققناه في الشرائع والمناهج الأخيرة - اليهودية والنصرانية والاسلامية - فاليهودية شريعة مبنية على الشدة في تربية قوم ألفوا العبودية والذل ، وفقدوا الاستقلال في الإرادة والرأي ، فهي مادية جسدية شديدة ليس لأهلها فيها رأي ولا اجتهاد ، فالقائم بتنفيذها كالمربي للطفل العارم الشكس . والمسيحية يهودية من جهة وروحانية شديدة من جهة أخرى ، فهي تأمر أهلها بأن يسلموا أمورهم الجسدية والاجتماعية للمتغلبين من أهل السلطة والحكم ، مهما كانوا عليه من الفساد والظلم ، وان يقبلوا كل ما يسامون به من الخسف والذل ، ويجعلوا عنايتهم كلها بالأمور الروحية ، وتربية العواطف والوجدانات النفسية ، فهي تربية للنوع في طور التمييز عندما كان كالغلام اليافع الذي تؤثر في نفسه الخطابيات والشعريات . واما الاسلامية فهي القائمة على أساس العقل والاستقلال ، المحققة لمعنى الانسانية بالجمع بين مصالح الروح والجسد ، وبهذا يصدق عليها قوله تعالى ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) وقوله ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) فهي مبنية على أساس الاستقلال البشري اللائق بسن الرشد ، وطور ارتقاء العقل ، ولذلك كانت الاحكام الدنيوية في كتابها قليلة ، وفرض فيها الاجتهاد ، لان الراشد يفوض اليه امر نفسه فلا يقيد الا بما يمكن ان يعقله من